السيد محمد بيرم الخامس التونسي

55

صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار والأقطار

وزمن واحد منه لكن أحدهما في المشرق والآخر في المغرب فإن المغربي يرث المشرقي ، لما أن وقت المشرقي متقدّم في الوجود على وقت المغربي كالزوال مثلا . وأما كلام أهل الباطن : فقد نقل عن سيدي عبد العزيز الدباغ رضي اللّه عنه : « أن ساعة الإجابة من يوم الجمعة الوارد فيها الحديث بأنها من عند جلوس الإمام على المنبر إلى انقضاء الصلاة » . قال إن ذلك خاص بوقت صعود إمام المدينة المنوّرة ولما كان ذلك الوقت لا يتحد في جميع البلاد ، منّ اللّه بساعة النبي صلى اللّه عليه وسلم وجعلها تختلف باختلاف صعود الأئمة على المنابر من ذلك اليوم ، وجميع ما تقدم إنما يتأتى على القول بأن الأرض كوروية ولو كانت بسيطة لما تأتى شيء من ذلك ، إذ الشمس إذا ظهرت تظهر على الجميع في آن واحد . ومن كلام القطب سيدي أحمد بن عروس رضي اللّه عنه : « الصريح فيما نحن بصدده وهو من أنواع النظم المسمى بالملحون ، قوله : وأدينا مثلتها دلاعا * تتكركب في جملة أدلاع ماذ لحقوها من طماعا * ورماتهم في بيرما لوقاع وهو صريح في تكويرها ودورانها على ما سيأتي ، وليس في القرآن ما يعارض ذلك إذ مساق الآيات لما يشاهد والمشاهد البسط في نظر العين ، ولما كان خطاب التكليف بهاته الشريعة المطهرة عاما لجميع طبقات الناس كان خطابهم على أسلوب يقتدر به كل على التوصل إلى قدر مدركاته ، هذا في مسائل التكاليف العامة كالاستدلال على وجود الخالق وصحة الرسالة والعلم بدخول أوقات الصلاة والصوم وأشباه ذلك ، أما ما يكتفى فيه بالإستفتاء عن الغير فقد خص اللّه به الفقهاء . فقال تعالى : فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ * [ الأنبياء : 7 ] . وهذا أصل نافع يجري في كثير من الأشياء ، وقد بسطه الشاطبي « 1 » في موافقاته . وثاني الجهات المشار إليها في الآية : الإستدلال بالجبال المعنون عنها بالرواسي ، فإن عظم خلقتها واختلاف أوضاعها واختصاص كل بحد محدود قاض بوجود مدبر خصها بتلك الحالات ، ولو كانت بمجرد الطبيعة التي هي اسم بلا مسمى لتساوت في جميع الحالات ، مع أن المشاهد هو اختلافها هذا بحسب الظاهر ، وأما إذا دق النظر فيما تختلف به مما تشتمل عليه من أنواع الصخور والتراب والطين والمعادن ، فذاك أمر يبهر العقول ويوقف الأذهان ، ومن أراد الاطلاع على أسرار ذلك فليراجع كتب الطبيعيات والكيمياء . وثالث الجهات المشار إليها في الآية : الاعتبار بالأنهر واختصاصها بأحوالها التي هي عليها مما يقتضي وجود مخصص لها ، والأغلب في نظم القرآن قران الأنهر بالجبال إشارة

--> ( 1 ) هو إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي أصولي حافظ . مالكي . توفي سنة ( 790 ه ) . الأعلام 1 / 75 نيل الابتهاج ( 46 ) معجم المطبوعات ( 1090 ) .