السيد محمد بيرم الخامس التونسي

52

صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار والأقطار

ثم أن كون السير واجبا لما ذكر هو ما عليه المحققون ، وإن سبق قلم الزمخشري « 1 » وتبعه القاضي البيضاوي « 2 » إلى أن الأمر بالسير للإباحة والأمر بالنظر للوجوب ، فقد قال غيرهم : إن ذلك ينبو عنه المقام . أما أولا : فلأنه إخراج للأمر عن حقيقته . وأما ثانيا : فلا وجه لذكر إباحة السير للتجارة وغيرها في سياق الإفحام للجاحدين ، ثم يعطف عليه ما هو واجب ولا يتم إلا بسابقة . وأما ثالثا : فقد تقرّر في الأصول أن ما لا يتم الواجب إلا به يكون واجبا فكيف يكون النظر في آثار المكذبين واجبا بدون سير ؟ فإن قيل : إنا لم نر في دواوين أصول الدين أن من واجبات الديانة السفر كما ذكر ؟ فالجواب أن معنى الوجوب معلق بما إذا لم يحصل الاعتبار المفضي للاعتقاد إلا بالسفر ، لأنه يؤدّي إلى رؤية الآيات بالمشاهدة التي لها من التأثير ما ليس لغيرها ، أما إذا حصل الإعتقاد فلا داعي حينئذ لوجوب السفر وإنما هو مباح . ولهذا كانت الآيات المذكورة في سياق الحجاج للمعاندين وكأن ما ذكر هو الذي أدى ببعض المفسرين للقول : بأن الأمر للإباحة . وقد ذكر الغزالي « 3 » في الإحياء : أن السفر تعتريه الأحكام الخمسة من الوجوب والندب والإباحة والكراهة والحرمة لأنه من الوسائل فيأخذ حكم ما قصد به « 4 » وأبان ذلك بيانا شافيا . وإذا تقرّر أن السير واجب لأجل الاعتبار ، فنقول : إن المعتبر به أشياء منها ما دلت عليه الآيات المذكورة من الاعتبار بعاقبة المكذبين للرسل ، ومنها ما دل عليه قوله تعالى : وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ [ الروم : 22 ] . فإن المسافر يرى من عجائب قدرة الخالق جل وعلا من اختلاف الطباع واختلاف الأشكال والهيئات واللغات والبشرة ما يقضي بوجوب وجود صانع ذلك المختار في أفعاله ، إذ لو

--> ( 1 ) هو محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الخوارزمي الزمخشري جار اللّه أبو القاسم ( 467 - 538 ه ) عالم بالتفسير والآداب واللغة . توفي في الجرجانية من قرى خوارزم . الأعلام 7 / 178 وفيات الأعيان 2 / 81 معجم الأدباء 5 / 489 رقم الترجمة ( 945 ) مفتاح السعادة 1 / 431 معجم المطبوعات ( 973 ) . ( 2 ) هو عبد اللّه بن عمر بن محمد بن علي الشيرازي أبو سعيد أو أبو الخير ناصر الدين البيضاوي . قاض مفسر توفي في تبريز سنة ( 685 ه ) . الاعلام 4 / 110 بغية الوعاة ( 286 ) مفتاح السعادة 1 / 436 طبقات الشافعية للسبكي 5 / 59 . ( 3 ) هو محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي أبو حامد ( 450 - 505 ه ) حجة الإسلام . مولده ووفاته في الطابران . الأعلام 7 / 22 وفيات الأعيان 1 / 463 طبقات الشافعية للسبكي 4 / 101 شذرات الذهب 4 / 10 الوافي بالوفيات 1 / 277 مفتاح السعادة 2 / 191 معجم المطبوعات ( 1408 - 1416 ) . ( 4 ) انظر كتاب إحياء علوم الدين كتاب آداب السفر . 2 / 217 .