السيد محمد بيرم الخامس التونسي
27
صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار والأقطار
واقتناء الخيل العتاق . وعلى آله وأصحابه فرسان ميادين الوفاق » . أما بعد : فلا يعزب عن نباهة نبيه . ودراية خبير في المعارف وجيه . ما للخيل على الإطلاق من المزيّة . في المنافع البشريّة . بسائر الآفاق . حتّى ورد في الخبر الشهير : « الخيل معقود بنواصيها الخير » « 1 » لا سيما نوع العراب منها . الجامعة لأشتات المحاسن فلا مندوحة لأهل الفضل عنها . ألم تر أنها قد حوت جمال الصورة واستقلت بالحذق وتهذيب الأخلاق المشكورة ، فكادت أن تشارك النوع الإنساني في الإدراك . وفضلت سائر أنواع الحيوان بلطافة الذات والمزية في مواطن العراك . ألا وهي وَالْعادِياتِ ضَبْحاً [ العاديات : 1 ] فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً [ العاديات : 3 ] متوسطة الجموع ، مستشرفات الفروع . مبلغات الآمال ، مقربات الشواسع لهمم الرجال . فلذلك توجهت إليها عناية أهل الفضل ، وتسابقت إليها الرغبات في الخصب والمحل ، ولم تزل كريماتها محفوظة الأنساب ، متوارثة الخصال الحميدة من الأجداد إلى الأعقاب . لا يأتلي أهل العناية عن اقتنائها ، ومعرفة أصلها ونسبتها وانتشائها . ويفوز عليها بالمزيّة ما صلح منها لاقتناء الملوك العظام ، سيما ما اختص بأن يعتلي صهوته خليفة الإسلام . لا زال تاجا على هامة الأيام ، وما تختاره إليه العرب من صفوة جيادها الكرام . وعلى الخصوص ما تميز بإهدائه . لخلاصة أهل ولائه . من الملوك الفخام . وكان منها هاته الخمس الجياد . العتيقات الأعراق الأمجاد . ثلاثة منها عراب الآباء والأمهات ، واثنان من خلاصة الأعاجم الوطن وإن ناكبت العراب في الصفات . وقد تحرر هذا التحرير في التعريف بأصولها . وما جمعت من سمات الكمال وفصولها ، فأما الثلاثة العراب ، السابقة القرين في العراقة والانتساب . فأولها : اشقرها المبارك ، الذي لا يدانيه في استجماع المحاسن مشارك ، واسمه المجلى ، وقد طابق اسمه مسماه إذ هو لمفاخر الخيل مجلى . وهو من جياد نجد العربيّة . الشهيرة الصفات والمزيّة ، سقلاوي القبيلة ، شامل لما يحمد في أمثاله من الفضيلة ، كل سلسلة أصوله من قبيلته المحمودة ، وكلا أبويه متفرع من ذلك القبيل إلى جدود كثيرة معدودة ، مسماة أجداده وجداته ، خالصة من اشتباه النسب وكمالاته . وأما ثانيها : وهو الأشهب ، الجاعل أبعد القصبات الهين الأقرب . واسمه السابق ، فهو مناكب متقدمه في جميع صفاته حتى غدى به لاحق ، سوى أنه استعوض عن النجديّة ، بأن كان من العراق العربيّة ، ولا يخفى ما لعتاقها من شهرة المزيّة ، سيما في حفظ النسب
--> ( 1 ) الحديث في صحيح البخاري برقم ( 2850 - 3645 ) وفي صحيح مسلم الزكاة رقم ( 26 ) وفي الترمذي رقم ( 1636 ) وفي سنن ابن ماجة برقم ( 2788 ) وفي المسند 2 / 49 و 57 و 101 وفي المعجم الكبير للطبراني 2 / 385 وفي مسند الحميدي ( 841 ) وفي مشكل الآثار للطحاوي 1 / 85 وفي مشكاة المصابيح للتبريزي ( 3867 ) وفي موارد الظمآن للهيثمي ( 1635 ) وفي حلية الأولياء 3 / 43 و 8 / 127 و 261 . وفي كنز العمال ( 35244 ) .