السيد محمد بيرم الخامس التونسي

193

صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار والأقطار

خلطة تونس مع الدول بإذن خاص وولاية المناصب بأمر السلطان والاختيار لأصحابها من الوالي ، ويرفع في كل عام حساب دخل الحكومة وخرجها ، وأيضا قد فعلت الدولة في طرابلس ما فعلته في سائر ولاياتها من التغيير ، وكذلك في مصر لكنها بامتياز فقوي خوف الرجل وجعل يرود كل الأبواب للاطمئنان على إبقاء عادته المألوفة له ولآل بيته وللقطر ، من غير أن يخطر بباله قط الاستقلال لا هو ولا من سلف من آله فضلا عن الدخول في حماية دولة أجنبية ، وغاية الأمر زيادة المواصلة منه مع دولة فرنسا ، والمدارات بما لا يخل بشيء من العادات مع طلب محافظة عاداته لو تريد الدولة العلية إلحاقه بغيره ، وغاية ما حصل عليه من دولة فرنسا هو الوعد الشفاهي بحمايته وحماية امتيازاته الجاري بها العمل والعادة . ويشهد لما مرّ سيما بعد ولاية العائلة الحسينية المستقرّة الآن ، أنّ الدولة العلية في سنة ( 1153 ه ) أعطت جزيرة طبرقة التي هي من القطر التونسي إلى دولة الجنويز ، وأذنت بذلك والي تونس فسلم الجزيرة بالشروط التي عينتها الدولة ، وهي : أن لا يكون لهم بها حصن ولا يتجاوزون في بناء بلد هناك حدّا محدودا ، ثم خالفوا الشروط ولذلك افتك الجزيرة منهم علي باشا والي تونس إذ ذاك في تلك السنة . وفي سنة ( 1184 ه ) حصلت وحشة بين فرنسا وبين علي باشا الثاني والي تونس من جهة الخلاف في الأسرى الذين أخذتهم تونس من قرسكا قبل استيلاء الفرنسيس عليها ، وكذلك صيد المرجان الذي أبيح للفرنساويين لسنتين بعدد معلوم من القوارب وأداء معلوم ، وتفاقم الخلاف إلى أن جاء الأسطول الفرنساوي إلى شطوط تونس ورمى بعض الحصون ، وكان إذ ذاك رسول الدولة في تونس قادما لطلب إعانة السفن الحربية على العادة في حرب الدولة إذ ذاك مع الروسيا ، فتداخل رسول الدولة في النازلة وأبرم الصلح على أن تدخل كرسكا في عهدة فرنسا وأن ترد الأسارى الذين أخذوا بعد استيلاء الفرنسيس عليها ، وأن يمكنوا من صيد المرجان خمس سنين مستقبلة بإثني عشر زورقا لا غير ، وأن يمكنوا من شراء ثلاثة آلاف قفيز قمحا ويخرجونها من غير أداء سراح عليها ، وأن يدفعوا ما جرت به العادة عند عقد الصلح من الهدية ، ورجعت بعد ذلك العلقة الحسنة المعتادة بين تونس وفرنسا على يد رسول الدولة العلية ، وكذلك أرسلت خمس سفن حربية بجميع لوازمها لإعانة الدولة في حرب الروسيا المذكورة سنة ( 1185 ه ) . وفي سنة ( 1213 ه ) أمرت الدولة العلية حموده باشا بحرب الفرنسيس معها عند استيلائه على مصر ، فامتثل الأمر وقطع الخلطة مع القنسل وأرسل سفنه الحربية لإعانة الدولة ، غير أنه تحفظ للغاية على أموال التجار الفرنساويين في بلده ولم يتعرض لسفنهم التجارية ، حتى قال تجار الفرنسيس إذ ذاك نحن بلا قنسل أحسن حالا من وجود القنسل ، وأعلم الباشا الدولة بسبب تلك المعاملة وهو كثرة الخلطة التجارية المتقادمة الموجبة لاشتراك مال التونسيين مع مال الفرنسيس ، فلو تعرض لأموالهم لكان تعرضا لمال التونسيين