السيد محمد بيرم الخامس التونسي
174
صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار والأقطار
بكثرة سياجا على البساتين وهو مرغوب فيه في هذا القطر لتمعش أقوام مثل جلاص وتفكه الآخرين ولو من أهل المدن ، لطيب نكهته وطعمه مع قلة ضرره إلا إذا أكثر أكله على جوع فإنه قابض جدّا ربما قتل بذلك ، ومن طبيعته أنه يكثر في سنين الجدب أي في العام الذي تقل فيه الأمطار ، ولذلك صار الهندي أهم النبات النافع للفقراء . كما يستنبت في هذا الإقليم التبغ أي ورق التدخين والنشوق ، فأما ورق التدخين : ففيه الجيد ولكنه لا يبلغ إلى أعلى نوع منه ، وأما ورق النشوق : فإنه أعلى من جميع أنواع ما يزرع منه في غير هذا القطر ، سيما ما يزرع منه في جهة باجة وتبرسق وقربة ، وعادة دقه في هذا القطر أنه يدق ناعما للغاية وقد كانت فيه أرباح للقطر بكثرة خروجه منه ، والآن صار يجلب إليه كثير من الخارج لتحجير الحكومة زرعه بإطلاق ، حيث كان لها عليه آداء وافر ، وينبت أيضا الجوز والسفرجل والعناب والزعرور والرمان وبوصاع والموز والنخيل ، غير أنه في غير الجريد لا يتمر إلا ثلاثة أنواع وهي : البسر الأخضر والأصفر والرطب ، وأما في الجريد فله أنواع عدها بعضهم ثمانين نوعا ، واختص على جميع ما علمنا من الأقاليم رؤية وسماعا بالنوع المسمى بالدقلة الذي لا نظير له حلاوة ولذة طعم ، ويحمل منه لسائر المعمور رغبة فيه إلى غير ذلك من سائر نباتات الأقاليم المعتدلة ، لا سيما الجبال الشمالية الكثيرة المياه فإنها يوجد بها حتى بعض نباتات الأقاليم الباردة ، وهي على ممر الأيام نضرة خضرة بما كساها اللّه من جمال النبات والخصب . وأما هواء هذا القطر فهو معتدل الأغلب ، والجهة الجنوبية يغلب فيها الحرّ وإذا هب الريح الجنوبي على أي جهة وفي أي وقت يحصل منه الحرّ لا سيما في الصيف فإنه يؤذي بحره حتى بعض الثمار والأشجار ، وفي غير ذلك الإعتدال هو الغالب ويشتد البرد في الشتاء لكن لا يصل إلى إنجماد الماء أو نزول الثلج إلا نادرا ، نعم في جبال الشمال المرتفعة يحصل الجمد في كل سنة بل يبقى الثلج في بعضها ولو في الصيف لكنه قليل ، وأغلب جهات القطر سليمة الهواء موافقة للصحة وفيه جهات حسنة الهواء جدا نافعة للمرضى ولو بمرض السلّ الذي أحسن علاجاته الهواء لأن مجلسه الرئة ، فمن هاته الجهات الحسنة المشهورة ، المكان المعروف برأس الجبل ، وهو جهة الشمال من القطر بقرب شاطىء البحر تبعد القرية التي هي مركزه على البحر نحو أربعة أميال ، والبحر من شماليها وهو على سفح جبل منخفض مرمل تحف بها بساتين ناضرة إلى البحر تسقى بآبار ذات ماء حلو جيد نقي ، وعلى شاطىء البحر عين عذبة ضعيفة الجريان لكنها نابعة من الصخر حلوة جدا نقية مسرعة للهضم كثيرا بحيث يصير الشارب منها يأكل أكثر من عادته ، وكذلك من الأماكن الشهيرة بحسن الماء والهواء بلدنا بل التي هي قاعدة الوطن القبلي ، وهي على مبتدىء الرأس الطويل رأس أدار عند اتصاله بالقارة ، تبعد على البحر نحو ميل وهو من شرقيها الجنوبي ، وهي في وهاد مرمل وراءها جبل وأمامها بحر وتحدق بها البساتين والجنان بأنواع الليمون والبرد قال وغيرهما من الفواكه .