السيد محمد بيرم الخامس التونسي
162
صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار والأقطار
النفس التي هي محل الإعتقاد ، والقيام بجميع التكاليف فغلب ترجيحها كما صرحوا به في جواز التيمم لخوف المرض ، في أن ذلك ليس تقديما للنفس على الدين بل من باب تقديم أغلب الدين على بعضه ، لأن الإنسان إذا سلم أقام الطهر والصلوات الكثيرة وغيرها من التكاليف ، بخلاف ما إذا هلك فتسقط بموته جميع التكاليف المتعلقة بذاته فلا يسوغ له أن يسعى في إبطاله تكاليف كثيرة لإقامة عبادة واحدة ، فهو حينئذ من باب أخف الضررين كما تقدم . واعلم أن للعبد توقفا شديدا في دعوى جواز مسألة الكتابة بالدم لحفظ النفس من الرعاف الخ ، وبيانه أن صاحب « الفصول العمادية » « 1 » وغيره ممن نقل عنهم الشيخ بيرم الثاني في كتابه « حسن النبأ في جواز التحصن من الوبا » ، قد صرحوا بأن تعلق الأسباب بمسبباتها على ثلاث مراتب . أحدها : التعلق القطعي ، وهو ما لا يتخلف فيه المسبب عن السبب إلّا على وجه خرق العادة كالشبع للأكل والريّ للشرب . وثانيها : الظنيّ ، وهو ما يكثر فيه ارتباط المسبب بالسبب وقد يتخلف نادرا ، ومثلوا له بالأدوية مع الأمراض . وثالثها : الوهمي ، وهو ما لا يرتبط فيه المسبب بالسبب إلا نادرا ومثلوا له بالكي والرقي مجمعين على ذلك . وغاية ما اختلفوا فيه هو أن تعاطي القسم الثالث هل هو مخالف للتوكل أم لا ؟ واحتج صاحب « حسن النبأ » لكونه غير مخالف للتوكل رادا على صاحب الفصول بثبوت الرقيا من النبي صلى اللّه عليه وسلم وكذلك الكي . فليراجع ما أطال به هناك ، فأنت ترى أطباقهم على جعل الرقيا من الموهوم وما تقدم من الكتابة بالدم للراعف ليست هي إلا رقيا ، فكيف ينطبق عليها شرط جواز استعمال المحرم وهو تعينه للشفاء ؟ وأين التعين من الوهم ؟ وكيف يقدم على أمر محرم بإجماع لأمر موهوم ؟ فعلى الآخذ للأحكام الشرعية التثبت وعدم الاغترار ، ولهذا صعبت درجة المفتي لكي لا يضل ويضل بغير علم ولا ينفعه مجرد وجود المسائل في كتب بعض المتأخرين ، إذ كثيرا ما زلقت الأقدام من بعضهم فينقلها عنه غيره كأنها المذهب الذي عنه لا يذهب ، واللّه يحفظ المسلمين من مزالق الشبهات . وكان منشأ ذلك القول هو ما قاله صاحب « النهاية » في مبحث « جواز التداوي بالمحرم إذا تيقن فيه الشفاء » وساق لذلك مثالا ، وهو : جواز كتابة الفاتحة بالدم للراعف على جبينه وأنفه ، لكنه قيد ذلك بحصول العلم الذي هو اليقين وذلك على معرض التمثيل بدليل عطفه
--> ( 1 ) هو جمال الدين بن عماد الدين الحنفي . انظر كشف الظنون 2 / 1270 .