جلال الدين السيوطي

297

الدر المنثور في التفسير بالمأثور

ان في هذا لمالا وانا ان فتحناه لم تصدقنا امرأة الملك بما وجدنا فيه فحملنه بهيئته لم يحركن منه شيئا حتى دفعنه إليها فلما فتحته رأت فيه الغلام فألقى عليها محبة لم تلو منها على أحد من البشر قط وأصبح فؤاد أم موسى فارغا من ذكر كل شئ الا من ذكر موسى فلما سمع الذباحون بأمره أقبلوا إلى امرأة فرعون بشفارهم يريدون ان يذبحوه وذلك من الفتون يا ابن جبير فقالت للذباحين ان هذا الواحد لا يزيد في بني إسرائيل وإني آتي فرعون فاستوهبه منه فان وهبه لي فقد أحسنتم وأجملتم وان أمر بذبحه لم ألمكم فلما أتت به فرعون قالت قرة عين لي ولك لا تقتلوه قال فرعون يكون لك واما لي فلا حاجة لي فيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي يحلف به لو أقر فرعون بان يكون قرة عين له كما قالت امرأته لهداه الله به كما هدى به امرأته ولكن الله عز وجل حرمه ذلك فأرسلت إلى من حولها من كل امرأة لها لبن لتختار له ظئرا فكلما أخذته امرأة منهن لترضعه لم يقبل ثديها حتى أشفقت امرأة فرعون ان يمتنع من اللبن فيموت فأحزنها ذلك فأمرت به فأخرج إلى السوق ومجمع الناس ترجو ان تجد له ظئرا يأخذ منها فلم يفعل وأصبحت أم موسى والها فقالت لأخته قصي أثره واطلبيه هل تسمعين له ذكرا أحي أم قد أكلته الدواب ونسيت الذي كان وعد الله فبصرت به أخته عن جنب وهم لا يشعرون والجنب ان يسمو بصر الانسان إلى شئ بعيد وهو إلى جنبه وهو لا يشعر به فقالت من الفرح حين أعياهم الظوائر أنا أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون فاخذوها فقالوا وما يدريك ما نصحهم له هل يعرفونه حتى شكوا في ذلك وذلك من الفتون يا ابن جبير فقالت نصحهم له وشفقتهم عليه رغبتهم في جانب الملك رجاء شفقته فتركوها فانطلقت إلى أمه فأخبرتها الخبر فجاءت فلما وضعته في حجرها نز إلى ثديها فمصه حتى امتلأ جنباه ريا وانطلق البشرى إلى امرأة فرعون يبشرونها انا قد وجدنا لابنك ظئرا فأرسلت إليها فاتيت بها وبه فلما رأيت ما يصنع قالت لها امكثي عندي ارضعي ابني هذا فاني لم أحب حبه شيئا قط قالت لا أستطيع ان أدع بيتي وولدي فيضيع فان طابت نفسك ان تعطينيه فاذهب به إلى بيتي فيكون معي لا آلوه خيرا فعلت والا فاني غير تاركة بيتي وولدي فذكر أم موسى ما كان الله عز وجل وعدها فتعاسرت على امرأة فرعون لذلك وأيقنت ان الله عز وجل منجز وعده فرجعت بابنها من يومها فأنبته الله نباتا حسنا وحفظه لما قد قضى فيه فلم يزل بنو إسرائيل وهم يجتمعون في ناحية القربة يمتنعون به من الظلم والسخرة منذ كان فيهم فلما ترعرع قالت امرأة فرعون لام موسى أريد ان تريني ابني فوعدتها يوما تزورها فيه به فقالت لخزانها وجواريها وقهارمتها لا يبقى منكم اليوم واحد الا استقبل ابني بهدية وكرامة أرى ذلك فيه وأنا باعثة أمينا يحضر ما صنع كل انسان منكم فلم تزل الهدايا والنحل والكرامة تستقبله من حين خرج من بيت أمه إلى أن دخل عليها فلما دخل عليها أكرمته ونحلته وفرحت به وأعجبها ونحلت أمه لحسن أثرها عليه ثم قالت لانطلقن به إلى فرعون فلينحلنه وليكرمنه فلما دخلت به عليه وجعلته في حجره فتناول موسى لحية فرعون فمدها إلى الأرض فقالت له الغواة من أعداء الله الا ترى إلى ما وعد الله إبراهيم انه يرثك ويصرعك ويعلوك فأرسل إلى الذباحين ليذبحوه وذلك من الفتون يا ابن جبير بعد كل بلاء ابتلى به وأربد به فتونا فجاءت امرأة فرعون تسعى إلى فرعون فقالت ما بدا لك في هذا الصبى الذي وهبته لي قال الا ترينه يزعم أنه سيصرعني ويعلوني قالت له اجعل بيني وبينك أمرا تعرف فيه الحق ائت بجمرتين ولؤلؤتين فقربهن إليه فان بطش باللؤلؤتين واجتنب الجمرتين علمت أنه يعقل وان هو تناول الجمرتين ولم يرد اللؤلؤتين فاعلم أن أحدا لا يؤثر الجمرتين على اللؤلؤتين وهو يعقل فلما قرب إليه الجمرتين واللؤلؤتين ترك اللؤلؤتين وأخذ الجمرتين فانتزعهما منه مخافة ان يحرقا بدنه فقال للمرأة لا يذبح وصرفه الله عنه بعد أن كان هم به وكان الله بالغ أمره فيه فلما بلغ أشده وكان من الرجال لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل معه بظلم ولا بسحرة حتى امتنعوا كل الامتناع فبينما هو يمشى في ناحية المدينة إذا هو برجلين يقتتلان أحدهما من بني إسرائيل والآخر من آل فرعون فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني فغضب موسى واشتد غضبه لأنه تناوله وهو يعلم منزلة موسى من بني إسرائيل وحفظه لهم لا يعلم الا ان ذلك من الرضاع من أم موسى الا ان يكون الله تعالى اطلع موسى من ذلك على ما لم يطلع غيره عليه فوكز موسى الفرعوني فقتله وليس يراهما أحد الا الله وموسى