الحسن الهمداني ( ابن الحائك )
110
صفة جزيرة العرب
خلّفت على أهلك أو على من تتكل في هول سفرك أو بمن تثق في حال غربتك ؟ أبا للّه أم عليه ؟ وكيف ولست أخشى عليك إلا من قبله لأنه قد أعذر إليك وأنذر ، فعصيت أمره ، وأطعت أعداءه ، وخرجت مغاضبا تظن أن لن يقدر عليك ، فاتق على نفسك الزلل ، وانزل عن دابتك في كل جبل ، فإذا استويت أنت ومن معك على ظهورها فلا تقل : سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا لأن اللّه تبارك وتعالى قد كره أن يحمد على ما نهى عنه ولكن قل : رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ والسلام . ومنه إلى الحجبي : أما بعد فان اللّه وله الحمد قد كان عرّضني وجوها كثيرة وخيرني في مكاسب حلال ، وكنت بتوفيق اللّه عز وجل وإحسانه قد اخترت منها ناحية الأمير حفظه اللّه تعالى ورضيت به من كل مطلب ، واقتصرت على رجائه من كل مكسب ، فأثابه اللّه عز وجل بذلك فتحا قريبا ، ومغانم كثيرة عجّلها وكان اللّه عزيزا حكيما ، وقد عرف الأمير حفظه اللّه تعالى طول مودتي له ، وقديم حرمتي ، وأني ممن أنفق من قبل الفتح وقاتل ، ثم إني لم أتعرب بعد الهجرة ، ولم أنافق بعد النصرة ، ولم أكن كحاطب « 1 » حين ألقى بالمودّة ، ولا كتميم يوم نادوا من وراء الحجرات « 2 » ، بل أقمت على مكانتي ، واصطبرت على عسرتي ، حتى جاء الفتح من عند اللّه ، وطلع الأمير حفظه اللّه ، فلما ظهر وتمكن ، ورجونا الغنى معه حين أيسر وأثخن ، والعز تماما على الذي أحسن ، قرّب الأحزاب ، وأدنى المخلّفين من الأعراب ، وآثر بالفيء من لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب ، وأصبحت أياديه عند المؤلفة قلوبهم ، ومن كان يلمزه في الصدقات منهم ، وصنائعه عند المعذّرين من الأعراب الذين جاءوا من بعدهم ، ظاهرة في الآفاق وفي أنفسهم ، وأصبح نقباء العقبة وفقراء الهجرة ومساكين الصفّة تفيض أعينهم حزنا ألا يجدوا ما ينفقون ، والسابقون الأولون منا ومن أهل النصرة مرجوون لأمر اللّه ، فان رأى الأمير حفظه اللّه أن يعطف علينا من قبل أن يزيغ قلوب فريق منا فعل فان الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً ، إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً ، وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً ، ولست أدري ماذا أعتذر به اليوم إلى الناس في أمري عن الأمير ،
--> ( 1 ) حاطب بن أبي بلتعة : صحابي بدري أنزل الله في حادثته قرآنا يتلى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ - سورة الممتحنة - راجع التفاسير والسيرة النبوية . ( 2 ) تميم . قبيلة مشهورة ، ولما وصل وفدهم إلى المدينة نادوا بجلافة الأعراب : يا محمد اخرج الينا ؛ فأنزل الله فيهم الآيات في سورة الحجرات .