شرف خان البدليسي
مقدمة 27
شرفنامه
وإن أقدم لغات آريانة هي لغتا زند وبهلوان . أمّا اللغة الزندية ، فهي كانت لسان الكتب الدينية والإيرانية القديمة المسمّاة زنداوستا ، حيث كانت تسود هذه اللغة في المناطق الشمالية من هضبة إيران ، ابتداء من بخارى ، لغاية أذربيجان . ولا مانع من أن تكون هذه اللغة مقدسة عند المجوس ، في هذه العصور الأخيرة ، كلغة السنسكريت التي هي مقدسة عند علماء الهنود . ويؤيد هذا أن بين هاتين اللغتين القديمتين كثيرا من الأصول المشتركة . وأمّا اللغة البهلوية أي لغة الأبطال ، والمحاربين . فالظاهر أنها كانت مستعملة في العراق العجمي ، وميديا الكبرى ، وعند البرثة أيضا ( إقليم فارس ) . وذهب بعضهم إلى أن هذه اللغة ، هي اللغة الوحيدة التي كانت تستعمل في قصور ، ودواوين الملوك ، الذين هم من نسل تيروس . نعم أن فيها كثيرا من الكلمات الكلدانية ، والآشورية ، بفعل الجوار ، والسلطان . ثم أن كتب المجوس ترجمت منذ القديم من الزندية إلى البهلوية . وتوجد بهذه اللغة أيضا كتابات منقوشة من عهد الساسانيين . وهذا دليل بأنها كانت مستعملة في الدواوين في عهد الساسانيين أيضا . إلا أنهم رفضوا تدريجيا ( من سنة 211 لغاية سنة 632 م ) استعمال لغة البهلويين الذين ورثوهم في المجد ، والحضارة . فذهبوا إلى جبال البرثة ، وأدخلوا في جميع البلاد الإيرانية الخاضعة لهم حينذاك بأمر ملوكي ، وقوانين صريحة اللغة الفارسية ( لغة إقليم فارس ) . وهذه أسهل من البهلوية كما أن الأخيرة أسهل من الزندنة . ولما استولى العرب على البلاد الإيرانية كلها ، وقضوا على دولة فارس في القرن السابع الميلادي ، فقدت هذه اللغة بهجتها ورونقها ، في سنة ( 977 م ) في عهد الديالمة . ولما أرادوا أن يحيوا إحدى اللغات الإيرانية القديمة ذات الحضارة الزاهية ، وقع اختيارهم على أقربها إليهم عهدا ، وأحدثها نشوءا ، وهي لغة فارس السابق ذكرها . إلا أنهم وجدوها قد تغيرت أحوالها ، ومسخت مسخا كاملا باختلاط كثير من الكلمات العربية الدخيلة . ولكن الشعراء ، وأرباب الخطابة والبيان ، انتخبوا من هذه اللغة ، وغيرها من اللغات الإيرانية القديمة ، مثل الزندية والبهلوية ( الكردية القديمة ) لهجة سهلة الألفاظ ، كثيرة الكلمات ، عذبة الأصوات ، وسمّوها باللغة الفارسية الحديثة . وهذه هي الشائعة الآن في بلاد العجم . وأمّا الفارسية القديمة ، فقد بقيت بفضل كتاب شهنامة للفردوسي ، وكتب المجوس الدينية المحفوظة في الكتب القديمة ، وبين رجال الدين من المجوس فقط ( راجع