شرف خان البدليسي

103

شرفنامه

ثم عطف عنان سيره من أنطاكية نحو حلب بناء على التماس نجله الملك الظاهر ، حيث قام بما في وسعه من الاحتفاء بوالده العظيم وإكرام وفادته مدة ثلاثة أيام التي أمضاها بها . وبعد ذلك غادر حلب إلى حماة حيث قام حاكمها تقي الدين بما يلزم للضيف العظيم من الإكرام ، فتعطف صلاح الدين على ابن أخيه هذا ، وأضاف إلى مقاطعته بلدة ( جبلة ) مع بضع قصبات أخرى . ثم توجه صلاح الدين إلى دمشق واستراح فيها بضعة أيام ؛ وقام بالزحف إلى بلدة صفد وافتتحها صلحا ، مما أدى إلى فتح : كرك ، وكوكب ، صلحا أيضا . ثم توجه إلى القدس وصلى صلاة عيد الأضحى في ذلك المكان المقدس ، وبعد ذلك قصد إلى عسقلان ؛ وأخذها من أخيه الملك العادل وعوضه عن ذلك بمقاطعة كرك . ولما بلغ عكا أمر بعمارة سورها الخرب وتجديده . ثم توجه نحو قلعة الشقيف التي كانت من أقوى وأمتن الحصون في تلك الجهات ، فباشر حصارها بنفسه الشريفة . ولما رأى حاكم القلعة ؛ وكان من أهل الرأي والعقل بين الإفرنج ، أن بوادر النصر والظفر تلوح في جانب المسلمين ، خرج من القلعة وحيدا وتقدّم نحو حضرة السلطان مستسلما فأدناه السلطان إليه وأولاه عطفه ؛ وحيث إن الضيف العزيز كان يعرف اللغة العربية ويتقنها فقد عرض على الحضرة السلطانية بنفسه ما يريد عرضه ؛ قائلا : إن الغرض من مضايقتي هذه للسدة السنية هو أن أتشرف بصدور أوامركم الكريمة بالسماح لي ولأسرتي بالإقامة بدمشق ، وإجراء رواتب سنوية على ما يكفيني من الديوان السلطاني من الذهب والغلات ، فإذا نال التماسي هذا القبول فإني أسلم القلعة حالا لرجال السلطان . فأجاب السلطان التماسه وعاد حاكم شقيف إلى قلعته ، وقد أبطل الجيش الإسلامي القتال ورفع الحصار منتظرا عقد شروط الصلح ، وبعد بضعة أيام تبيّن لكل ذي عينين أن ذلك الكافر كان يرمي بعمله هذا إلى الخدعة والحيلة ، بأن يوقف الضغط على القلعة ؛ حتى يتمكن من إصلاح أسوارها وتجديد أبراجها ؛ وان يشحنها بالذخائر . ولا شك في أن السلطان قد غضب لهذا الفعل المنكر غضبا شديدا ، وأمر جيشه المظفر بضرب نطاق الحصار على القلعة مرة أخرى ، فشرع المسلمون من جديد يحاصرون القلعة وذلك بتهيئة أسباب النزال وأدوات الحصار وآلاته ، وبينما هم كذلك إذ وصل الخبر بأن جموعا كثيرة وحشودا كبيرة من جيوش الصليبيين قد وصلت إلى ميناء عكا ، وأخذت في محاصرة القلعة ، وان الملك العادل قد رضي وقبل إزاء هذا الحادث الخطير أن يعقد الصلح مع كفار شقيف على الشروط الأتية ؛ أن يسلم البلدة أي عكا مع