ژان شاردن ( تعريب : صلاح صلاح )

86

رحلات في فارس

أصولهم تعود إلى البلاد الواقعة بين الصين و بحر قزوين المدعوة بلاد التتار . سكان هذه المناطق من أقبح رجال آسيا شكلا ، فهم سمان ، قصار القامة ، عيونهم و أنوفهم مثل الصينيين ، وجوههم عريضة مسطحة و بشرتهم مزيج من الصفراء و السمراء . أما فيما يخص الأعضاء الطبيعية ، فإنها بجمال أجسامهم . هم قوم مفعمون بالحيوية ، سريعو الانفعال ، و ذاكرتهم خصبة بسيطة . يتحلون بميل إلى العلوم و الفنون العملية و الميكانيكية ، و إلى حب الحرب كذلك ؛ يحبون المجد ، أو لنقل الخيلاء ، الذي هو مجرد ظل لها . طباعهم طيعة مرنة ، و فطنتهم سهلة متهادية . فيهم كياسة و تحضر و لين عريكة علاوة على تربيتهم الرفيعة . يعتريهم توق طبيعي لمشاعر الاستمتاع و الترف و البذخ و الإسراف . و عليه ، فهم جاهلون بالاقتصاد و التجارة . باختصار ، يولدون بأعضاء طبيعية جيدة مثل كل البشر ، غير أن قلة تسيء استخدامها كما يفعلون . الفرس فلاسفة فيما يخص الثروات و المصائب التي تحيق بالعالم ، و في الأمل و الخوف المتعلق بمستقبل الدولة . يشعرون بذنب قليل إذا ما رغبوا في امتلاك ما يملكه الآخرون . يستمتعون بتلقي الهدايا و لا يحرمون أنفسهم من شيء يمكنهم الحصول عليه . لا يفكرون في الغد و يعتمدون كليا على العناية الإلهية و ما قدر لهم . يعتقدون أن هذا يقين لا يقبل التغيير و يسلكون وفق ذلك بأمانة ، لذا عندما تحل بهم أي مصيبة لا يحبطون مثل معظم البشر ، بل يكتفون بالقول " هذا مكتوب " و لا مفر من حدوثه . قبل عشرين سنة ، كان الاعتقاد عند عديد من الشعوب الأوروبية و أرفع المستويات و المطلعين أن الفرس سينتهزون فرصة هزيمة الأتراك الكبيرة لاستعادة بابل منهم ، و يعلنون الحرب على السلطان و قد رأوه محبطا مهزوما في كل مكان و خسر بلادا شاسعة . كنت دوما أقول إنهم لن يلاحظوا ذلك ، لأن من عادة الفرس أولا تقدير الحياة و الاستمتاع