ژان شاردن ( تعريب : صلاح صلاح )

6

رحلات في فارس

و الغريب و المدهش مما التقطته عيون تتجوّل و أنفس تنفعل بما ترى ، و وعي يلمّ بالأشياء و يحلّلها و يراقب الظواهر و يتفكّر بها . و الواقع أنه لا يمكن قراءة نصوص السفر الغربية إلى الديار المقدسة في فلسطين و الأردن ، أو إلى المناطق و الأقاليم المجاورة ، و الشرق بصفة عامة ، بمعزل عن جملة التطورات التي شهدها التاريخ الأوروبي في علاقته بالعرب و الشرقيين عبر محطات كبرى ( الحروب الصليبية ، سقوط القسطنطية ، سقوط الأندلس ، نشأة الاستعمار الحديث ) و بالتالي فهي نصوص تأسرها النظرة الغربية المسبقة إلى الشرق و الشرقيين . و لا يجوز عزل هذه النظرة أيضا عن استراتيجيات دول المركزية الغربية في التطلع نحو أراض و أسواق و استثمارات في الشرق ، و ذلك في ظل حراك إجتماعي ، سياسي ، علمي ، اقتصادي ، عسكري ، إمبراطوري الطابع ، و من ثم حركة دؤوبة للبر جوازية الوليدة في مجتمعات دخلت عصور الصناعة الثقيلة و تحولت إلى مراجل أكول لم يكن ليكفيها ما تملكه من ثروة خاصة بها ، فراحت عينها تتسع أكثر فأكثر على ثروات الشرق ، و قد رافقها في الرحلة إليه و صافو الشرق من رسامين ، و مستكشفين ، و مغامرين عبر المدن و الصحارى و الجبال و السواحل قريبة و بعيدة عن عواصم الشرق . بمتعة و حبّ اكتشاف للنظرة المختلفة يمكن قراءة جزء من نصوص الرحالين الغربيين إلى الشرق و الديار المقدسة ، و بتحفظ و تنبه لما في السطور و بين السطور و وراء السطور يجب قراءة بقية الأجزاء . من دون إغفال أهمية هذه النصوص كوثائق عن رؤية الآخر لنا .