ژان شاردن ( تعريب : صلاح صلاح )
56
رحلات في فارس
كان يذهب للبلاط من حين لآخر ، فلم يبعده الملك عنه و لم يمنعه من حضور مجلسه . كان سبب هذا الطرد لأنه لم يشرب النبيذ ، متذرعا دوما بكبر سنه . كان وقار رئيس الوزراء ، و لقب الشيخ الذي يحمله و معناه الديني كقديس ، يعني لنا أنه رجل كرس نفسه لطاعة أشد أوامر الدين صرامة ، و هذا يتمشى و حجه إلى مكة مما يجعله يتمسك بطهارة عظيمة في الحياة . كثيرا ما كان الملك يغلظ له القول حين يراه الوحيد المتمسك بتصميمه على عدم شرب النبيذ ، و لقد تمادى مرة لدرجة ضربه بأقداح النبيذ و إلقائها في وجهه و سكبها على رأسه و كل ملابسه . كما كان في نوبات غضبه يكيل له ألف إهانة من هذا القبيل ، و حين تنتهي هذه النوبات العاطفية و في لحظات صفوه ، يقدره بلا حدود لتفانيه التام في العمل لمصلحة البلاد ، و خصاله الحميدة و قدراته الذهنية الهائلة . في الواقع ، كان وزيرا حكيما ، كله فطنة و وقار عظيمين . يمكن إلقاء اللوم في قسوته في معاملة المسيحيين على مشاعره الدينية أكثر من طبيعة مزاجه . علينا أن نتهم هذه المشاعر في ممارسته الصارمة ضد المسيحيين . و لو لا هذا الحماس الأعمى الذي يعتريه ، لكان عند المسيحيين و المسلمين على حد سواء من الأسباب ما يدعوهم لمباركة إدارته . هذا صحيح ، حتى لمن لا يؤيدون ذلك ، لأنه يمنع الملك من الإفراط في الإسراف و تبديد خزينته مثل سابقيه . أمر نادرا ما يروق البلاط ، الفقير و المعوز عادة ، حين لا يكون الأمير سخيا . كان هذا الوزير في الخامسة و الخمسين ، حسن القوام و التكوين ، و سيم الطلعة و الطبيعة ، و يتحلى بأعظم ميز الفراسة في العالم . هدوء دائم و طلالة تملأ عينيه فتنة و رزانة ، و أبعد من أن تلاحظ فيهما أي دلالة على ذهن منهك مشغول كالذي يبدو على معظم الوزراء العظماء . عينان يرى المرء فيهما كل إمارات السكينة و الفكر غير المشوش ، تستحوذان عليه تماما ، حتى من يراه به غير معرفة لن يحسبه أبدا رجلا مسؤولا . أما من تشرفوا بمعرفته عن قرب و بحثوا في خصاله الداخلية ، فإنهم يقولون أشياء رائعة حول تواضعه و اعتداله . يؤكد لك هؤلاء أنه قليل الغرور ، جريء الفؤاد . في سيماء وجهه ضراوة جبار ، و في تصرفه