ژان باتيست تاورنيه

54

رحلة الفرنسي تافرنيية إلى العراق

الماء بواسطة الجربان . ويربط ملاحو الكلك أنفسهم ومجاذيفهم ربطا وثيقا بمرابط مقوسة بهيئة نصف دائرة ، ليحموا أنفسهم من قوة الماء . وفي الحقيقة ، إن هذا السد هو الذي يجعل من دجلة نهرا غير صالح للملاحة . ثم جاء الكلك إلى المكان الذي كنا ننتظره فيه ، فوسقنا أحمالنا ، ورسا حيث كنا من ضفة النهر . ومن عادة الأعراب أنهم إذا شعروا بنوم التجار ، يقطعون حبال الكلك ويتركونه يبتعد عن حافة النهر ، فيتبعونه سباحة ، ويسرقون منه ما راق لهم . وفي اليوم السابع عشر ، بعد تجذيف ثلاث ساعات ، التقينا بنهر الزاب الذي يصب في دجلة من جهة بلاد كلدية . وعلى نصف فرسخ من النهر حصن « 1 » من الآجر على تل صغير ، مهجور فأدى ذلك إلى خرابه . مكثنا فوق الماء في هذا اليوم اثنتي عشرة ساعة ، ثم رسونا في حويجة ، وأوقدنا نارا عظيمة ، وأطلقنا بنادقنا غير مرة لترويع الأسود « 2 » . وفي اليوم الثامن عشر ، لبثنا في الكلك ثماني عشرة ساعة ، ورسونا على ضفة النهر ، عند الجهة الآشورية . وفي المساء جلب لنا الأعراب لبنا وزبدة ، لقد جاءوا إلينا سابحين من ضفة النهر الأخرى وتحت بطونهم جربان وأخرى فوق رؤوسهم فيها ما جلبوه لنا ، وهم لا يتقاضون عنه نقودا بل تبغا « 3 » أو كعكا أو فلفلا .

--> ( 1 ) لعل الحصن المشار إليه ، من بقايا « السن » وهي مدينة داثرة كانت على مصب الزاب الأسفل . ( 2 ) كان الأسد ، في الأزمنة القديمة ، كثير الوجود في جهات العراق . ويؤخذ من الآثار المستخرجة من خرائب المدن الأشورية ، أن ملوك أشور كانوا من أمهر صيادي الأسود وأشجعهم . والظاهر أن الأسود كانت في زمن تافرنييه ترتاد أراضي العراق . على أنها أخذت تقل بمر السنين حتى أننا لا نسمع بوجودها اليوم إلا في النادر جدا . ( 3 ) في هذا إشارة إلى استعمال التبغ في العراق قبل ثلاثمائة سنة ، وهو خبر طريف . وللأستاذ يعقوب سركيس بحث مطوّل في هذا الشأن بعنوان : « التتن في العراق : وجوده وزرعه ، قبل نيف وثلاثمائة عام » وقد نشر في مجلة غرفة تجارة بغداد سنة 1941 .