ژان باتيست تاورنيه

31

رحلة الفرنسي تافرنيية إلى العراق

ضفاف الفرات ، فأبصرنا البيرة في الجانب الآخر من النهر . ولما كان نقل جميع الأحمال إلى الضفة الثانية من النهر في يوم واحد غير ممكن في بعض الأحوال ، فقد أقيم هناك خان كبير مريح يحمي التجار من البدو ، وإلا ساورهم القلق وصاروا عرضة لشر اللصوص . فلو لا هذا الخان لما حوفظ عليهم ولا على بضائعهم بهذا الوجه المأمون . ويعبر نهر الفرات بمعبر كبير من القوارب ، وعند بلوغ ضفته الثانية ، يهرع ضابط الجمرك ورجاله إلى تسجيل البضائع ، وتدوين أسماء التجار مالكيها . أما قافلتنا ، فلم تدخل المدينة المشيدة بهيئة مدرج نصف دائري ، عند سفح جبل وعر ، بل سلكت طريقا رديئا ووجهتها خان يعلو قمة الجبل . وبالقرب من هذا الخان طائفة من الغرف المنقورة في جوف الصخر ، يلجأ إليها من لا يتسع الخان له . وعند المساء جاءنا ضابط الجمرك يتقاضى رسومه ، وهي قرشان عن كل حمل من البضاعة إن كانت محملة على حصان أو بغل ، ذلك بغض النظر عن أن ما تحمله البغال يفوق ما تحمله الخيل كثرة ، ويتقاضى نصف قرش عن كل دابة تحمل المتاع . أما الخيل والبغال المسرجة فلا رسم يؤخذ عليها . والبيرة ، أو بيره جك ( Berygeon ) كما يسميها أهلها ، من بلدان الشرق الكبيرة ، تقع على حافة تل ، وفي أسفل المدينة من جهة النهر حصن يبدو أنه قديم ، طوله نصف طول المدينة ، ولكنه ضيق ، وليس فيه من التحصينات غير برج مطل على النهر ، ذي ثمانية أو تسعة مدافع حقيرة . وفي أعلى المدينة حصن آخر يقيم فيه حاكم المدينة وهو « آغا » ويلقبه بعضهم ب « باشا » . وبإمرته مائتا إنكشاري « 1 » وأربعمائة سپاهي « 2 » . إن المدينة مبنية بناء سقيما على غرار

--> ( 1 ) الانكشارية ، لفظة محرفة من التركية ينيجري ( من : يني - جديد ، جري - جيش ) وهم جند مشاة في الجيش العثماني ، دام أمرهم منذ القرن الرابع عشر إلى التاسع عشر للميلاد . ( 2 ) لفظة تركية فارسية ، أصلها « سباه » ومعناها العسكر والفرسان والنسبة إليها سباهي كانت تطلق سابقا على خيالة الترك وقد انحل أمرهم من بعد سنة 1826 م .