ژان باتيست تاورنيه
16
رحلة الفرنسي تافرنيية إلى العراق
صوب الجنوب الشرقي ، بمحاذاة الفرات حتى تبلغ البصرة وساحل خليج فارس ، ثم تنتهي جنوبا بسلسلة الجبال الحاجزة بين البلاد العربية الصخرية ( Arabia Petrea ) وبلاد العرب السعيدة . وتكاد تكون هذه البوادي خالية من كل شيء إلا من الرمال . والأرض في بعض الأماكن أهش مما في أخرى ، بحيث يصعب السير فيها إلا عقب سقوط الأمطار التي تصلب تلك الرمال وتكتلها . ويندر أن تمر في هذه البوادي بتل أو بواد . فإن صادفت شيئا منها كان ذلك دليلا على وجود الماء هناك وبعض الأحطاب التي تفي بالطبخ ، وذلك لتعذّر وجود الخشب في أنحاء البادية . وغاية ما يطاق حمله في حلب على ظهور الجمال من حطب وفحم ينفد في نحو ثمانية أو عشرة أيام . ولهذا لا ترى بين الستمائة بعير التي تخترق البادية أكثر من خمسين محملة بالبضائع المؤلفة من الأقمشة الخشنة وقليل من المواد الحديدية ، وبالأخص نسيج قالقوط الأسود والأزرق « 1 » الذي يستعمله العرب دون تقصيره « 2 » . وأما سائر الجمال فتحمل من الطعام ما يكفي هذا الحشد من المسافرين طوال أيام سفرهم العديدة في مثل هذه البلاقع المترامية الأطراف . في الخمسة عشر يوما الأولى من سفرنا ، لم نر الماء إلا مرة في كل يومين ، وأحيانا في كل ثلاثة أيام . وفي اليوم العشرين بعد خروجنا من حلب ، نزلت القافلة مكانا فيه بئران ماؤهما طيب جدا . وقد كان كلّ منا مبتهجا إذ أتيح له غسل ملاحفه ، وقد رأى الكروان باشي أن نمكث هنا يومين أو ثلاثة أيام ، بيد أن الأخبار التي وردتنا أدّت إلى الرجوع عما رأى . وذلك أننا ما كدنا
--> ( 1 ) هذا النسيج منسوب إلى مدينة قالقوط ( Calicut ) التي اشتهرت بصنعه وهي من مدن الهند المشهورة . مر بها ابن بطوطة في رحلته ووصفها بقوله ( تحفة النظار 4 : 89 - 88 طبعة باريس ) إنها « احدى البنادر العظام ببلاد الملبار ، يقصدها أهل الصين والجاوة وسيلان والمهل وأهل اليمن وفارس ، ويجتمع بها تجار الآفاق ، ومرساها من أعظم مراسي الدنيا » . أما اليوم فهي من مدن الهند البريطانية ، ومركز مقاطعة الملبار الساحلية . ولم يبق لها تلك الشهرة في صناعة النسيج الذي عرف باسمها ( Calico ) . ( 2 ) تقصير الثوب : تبييضه .