پيترو دلاواله

71

رحلة ديلاوالية إلى العراق

سيدتي الجميلة معاني تعتبر العربية لغتها الطبيعية ، لكنها تتكلم التركية جيدا ، ولذا فهي تحدثني بهذه اللغة لأني لم أتقن العربية بعد ، لكنها تنطق التركية بلهجة بغداد بما فيها من ألفاظ وتعابير تختلف عن لهجة إسطنبول . . أما في الأمور الدينية فمعلومات زوجتي تقتصر على ما تلقنته في أسرتها ، فقد منحوها أكبر قسط مما عرفوه في ديارهم السابقة حيث كانت المسيحية أكثر ازدهارا من بغداد . لكن ثقافتها الدينية من حيث النتيجة أقل كثيرا مما هي في ديارنا إذ تقتصر معارفها الدينية على بعض الصلوات الضرورية والروايات الدينية وشيء من التقاليد الموروثة لا أكثر . كان عمرها أربع سنوات عندما قدمت أسرتها إلى بغداد وفي هذه المدينة نمت وترعرعت وكان عدد النصارى في بغداد قليلا فقد مرت فترة من الزمن لم يكن فيها نصارى أبدا « 1 » ولكن في الفترة الأخيرة وفد إليها عدد منهم من مختلف الجهات ينتمون إلى مختلف الطوائف ، التجأوا إليها للتخلص من الحروب المتكررة والفتن والاضطرابات التي كانت تنشب في ديارهم ، فجاؤوا إلى هنا طلبا للاستقرار والأمان . ونظرا لقلة عددهم وحداثة تجمعهم في هذه المدينة ، لم يسمح لهم حتى الآن بممارسة شعائرهم ( علنيّا ) لذا فهم يمارسونها بالخفاء نوعا ما ولا يتظاهرون بها . فحالتهم حرجة ، وجهلهم بالأمور الدينية مطبق . وإذ ليس لهم كنائس فلا وجود للأسرار المقدسة والخدم الدينية عندهم ، ولا وجود للقسس . وإذا حضر هؤلاء فهم غير صالحين للخدمة بسبب جهلهم العميق ، إذ لا استعداد لهم لتثقيف الشعب . وهم بخلاء جدا لا يقدمون

--> ( 1 ) إنه ينوه بما حدث للنصارى إثر الاحتلال الفارسي لبغداد على عهد الشاه إسماعيل الصفوي سنة 914 ه ( 1508 م ) فقد ذكر ياسين بن خير اللّه الخطيب العمري الموصلي قال : « ثم تقدم شاه إسماعيل إلى بغداد وملكها ، وقتل صاحبها وأكثر أهلها مسلمون سنيّون ، ولم يسلم من فتكه إلا اليهود ، فإن أغلبهم نجوا . أما النصارى فإنه لم يبق منهم باق بل ولا أثر » الدر المكنون في مآثر الماضية من القرون . انظر مقالنا : كنائس بغداد عبر التاريخ - مجلة بين النهرين عدد 32 / 1980 ، ص 418 وكتابنا : كنائس بغداد ودياراتها ، ص 138 - 139 .