صالح أحمد العلي
98
سامراء
الموضع المعروف بالدور ثم الكرخ وسرّ من رأى مادّا إلى الموضع الذي كان ينزله ابنه أبو عبد الله المعتز ( بلكوارا ) ، ليس بين شيء من ذلك فضاء ولا فرج ولا موضع لا عمارة فيه ، فكان مقدار ذلك سبعة فراسخ . إلا أن هذا الإعمار لم يدم إذ لمّا ولي المنتصر « انتقل إلى سرّ من رأى وأمر الناس جميعا بالانتقال من الماحوزة ، وأن يهدموا المنازل ويحملوا النقض إلى سر من رأى ، فانتقل الناس وحملوا أنقاض المنازل إلى سرّ من رأى وخربت قصور الجعفري ومنازله ومساكنه وأسواقه في أسرع مدة ، وصار الموضع موحشا لا أنيس به ولا ساكن ، والديار بلاقع كأنها لم تعمّر ولم تسكن . ويتبين من هذا أن التحول الذي أراده المتوكل لم يدم طويلا ، فعاد الناس بعد مقتله إلى سامرّاء ، والراجح أنهم أو أكثرهم ، عادوا إلى منازلهم الأولى ، وأعادوا إعمارها ، ولابدّ أن نشير إلى أن في هذا الكلام مبالغة يصعب قبولها بحرفيتها . مواد البناء والعمال إن أول مستلزمات بناء المدينة هو توافر المواد الأولية وتوافر الأيدي العاملة للقيام بالبناء . ولا ريب في أن أرض سامرّاء توفّر المادة لصنع اللّبن والجص والطابوق ، وهذه تؤمن البناء البسيط كالذي كانت عليه الكوفة والبصرة في السنوات الأولى من تشييدهما ، وهي تؤمّن بناء البيوت البسيطة لعامة الناس كما أنها أساسية لبناء حتى القصور . غير أن المعتصم استهدف إنشاء مدينة متقدمة في العمران لا تقلّ في مستواها عما كانت عليه بغداد في زمنه ، أي بعد مرور أكثر من سبعين سنة على تأسيسها ، وكان هذا يتطلب استيراد بعض المواد الضرورية لتحقيق هذا المستوى العمراني ، وفي هذا يقول اليعقوبي إن المعتصم « كتب في حمل الساج وسائر الخشب والجذوع من البصرة وما ولاها وسائر السواد ، ومن أنطاكية وسائر سواحل الشام وفي حمل عملية الرخام وفرش