صالح أحمد العلي
58
سامراء
وشيد العرب مدنا ليقيم فيها الحاكم وحاشيته وهي في الغالب قرب مراكز قديمة كالعباسية التي أنشأها أمراء شمال أفريقيا قرب القيروان . أما بغداد فإن تخطيطها يظهر أن المنصور أراد منها إقامة مدينة تحميه من الأخطار الداخلية والخارجية كالتي هددته عندما حاصر الراوندية مدينة الهاشمية التي كان يقيم فيها بالكوفة ، ولذلك أحاط قصره والجامع وبيوت أولاده الصغار بسور وزع خارجه الحرس والشرطة وأحاطهم بسورين وخندق لصدّ أي خطر يداهمه « 1 » . ولا ريب في أن أكثر هذه المدن سرعان ما تطورت فيها حياة حضرية واقتصادية وفكرية غيرت سماتها الأولى ، ودام بعضها سنين أو قرونا يحمل السمات التالية التي تخالف ما كانت فيها نشأتها الأولى . أما سامرّاء فإن المعتصم أسسها واتخذها مقرا لتجنّب الأخطار الناجمة عن أن الاحتكاك بأهل بغداد قد يؤدي إلى تهديد خلافته ، فغرضه دفاعي بالدرجة الأولى . وذكرت بعض المصادر أنه قام بنقل مقر إقامته من بغداد بسبب حوادث اصطدامات متفرقة حدثت بين جنده الأتراك وأهل بغداد الذين تأذّوا منها . وفي هذا يروي الطبري أن سبب خروج المعتصم إلى القاطول كان أن غلمانه الأتراك كانوا لا يزالون يجدون الواحد بعد الواحد منهم قتيلا في أرباضها ، وذلك أنهم كانوا عجما جفاة يركبون الدواب ، فيتراكضون في طرق بغداد وشوارعها ، فيصدمون الرجل والمرأة ويطأون الصبي ، فيأخذهم الأبناء ، فشكت الأتراك ذلك إلى المعتصم ، وتأذت بهم العامة « 2 » . وينقل عن أحمد بن خالد أن المعتصم بعثه في سنة 219 وقال اشتري بناحية سامرّاء موضعا أبني فيه مدينة فإني أتخوف أن يصيح هؤلاء الخرّمية صيحة ، فيقتلوا غلماني ، حتى أكون فوقهم فإن رابني منهم ريب أتيتهم في البر والبحر ، حتى آتي عليهم « 3 » .
--> ( 1 ) انظر كتابنا « بغداد مدينة السلام » من منشورات المجمع العلمي العراقي . ( 2 ) الطبري 3 / 10 / 11 - 1 . ( 3 ) المصدر نفسه 3 / 1179 .