صالح أحمد العلي
31
سامراء
218 وهو في دمشق ، أي بعد حوالي عشرين سنة من تولّيه الخلافة ، وأربع عشرة سنة من دخوله بغداد ، وثلاث سنوات من مغادرته لها إلى بلاد الشام ومصر والثغور ، ولا بدّ أن هذا التأخر في إصدار القرار يرجع إلى حوادث استجدّت لا في الأقاليم التي جاءها ، وإنما في بغداد ، فعلم بها وأدرك خطرها فأصدر هذه الكتب الشديدة ، وتجدر الإشارة إلى أنه لم تسجل فرحة بها ، وإنما يدل سياق الأحداث على وجوم الناس منها ، وهو موقف سلبي لم يصل حدّ عمل إيجابي في ثورة أو مقاومة . ويلاحظ أن المحنة بتباين أحوالها لم تدم أكثر من ثلاثين سنة ثم ألغيت عندما ولي المتوكل الخلافة . المشكلة فكرية وسياسية : كان الهدف من المحنة هدفا فكريا محدّدا بخلق القرآن ولم يمتد إلى أبعد من ذلك ، فلم يذكر عنه أنه حارب علوم الحديث أو الفقه وهما عماد علم « أهل السنة » ولم تذكر عنه محاولة نشر أفكار سياسة خارجة عن اهتمامات الناس في حينها ، كنشر أفكار ساسانية أو إغريقية ، ومع أن المصادر تذكر اهتمامه بجمع الكتب الإغريقية ، إلا أنه لم يكن مبتدعا في ذلك ، فقد سبقه إليها المنصور والرشيد ، ولم يرد خبر عن حرصه على نقل هذه الكتب إلى العربية ، ولم يكن ممن أغدق على حنين بن إسحاق وطلب منه نقل أي كتاب . كانت الحركة الفكرية في زمن المأمون قد وصلت في تطورها الفكري حدّ التمايز بين العلوم ، بما في ذلك علم الحديث وروايته والفقه والكلام بل حتى في الأخبار والتاريخ والآداب ، وما يتصل باللغة من مفردات ونحو وصرف ، ولكن هذا التمايز لم يكن جامدا محدّد المعالم ، وإنما كان فيه كثير من التداخل ، والتمايز الواضح هو بين علوم الأوائل ، بما فيها العلوم الصرفة والتطبيقية والمنطق والفلسفة والسياسة ، وعلوم العرب ، علما بأن نقل كثير من هذه الكتب وثّق صلة العربية بعلوم الأوائل ، وأطلع العرب على الكثير من الأفكار الجديدة ، غير أنه من حيث العموم كانت علوم الأوائل أروج عند غير المسلمين ولا سيما النصارى واليهود .