جلال الدين السيوطي
288
الدر المنثور في التفسير بالمأثور
وسلم بما اعتذر به المتخلفون فلقد كان كافيك من ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت ان أرجع فأكذب نفسي ثم قلت لهم هل لقى هذا معي أحد قالوا نعم لقيه معك رجلان قالا ما قلت وقيل لهما مثل ما قيل لك فقلت من هما قالوا مرارة بن الربيع وهلال بن أمية الواقفي فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا لي فيهما أسوة فمضيت حين ذكروهما لي قال ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي الأرض التي كنت أعرف فلبثنا على ذلك خمسين ليلة فاما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما وأما أنا فكنت أشد القوم وأجلدهم فكنت أشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف بالأسواق فلا يكلمني أحد وآتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مجلسه بعد الصلاة فأسلم وأقول في نفسي هل حرك شفتيه برد السلام أم لا ثم أصلى قريبا منه وأسارقه النظر فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلى فإذا التفت نحوه أعرض عنى حتى إذا طال على ذلك من هجر المسلمين مشيت حتى تسورت حائط أبى قتادة وهو ابن عمى وأحب الناس إلى فسلمت عليه فوالله ما رد السلام على فقلت له يا أبا قتادة أنشدك الله تعالى هل تعلم انى أحب الله ورسوله قال فسكت قال فعدت فنشدته فسكت فعدت فنشدته قال الله ورسوله أعلم ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار وبينا أنا أمشى بسوق المدينة إذا نبطي من أنباط الشام ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول من يدل على كعب بن مالك فطفق الناس يشيرون له إلى حتى جاء فدفع إلى كتابا من ملك غسان وكنت كاتبا فإذا فيه أما بعد فقد بلغنا ان صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسك فقلت حين قرأتها وهذا أيضا من البلاء فتيمنت بها التنور فسجرته فيها حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا برسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك ان تعتزل امرأتك فقلت أطلقها أم ماذا أفعل قال بل اعتزلها ولا تقربها وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك فقلت لامرأتي الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضى الله في هذا الامر فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله ان هلالا شيخ ضائع وليس له خادم فهل تكره ان أخدمه قال لا ولكن لا يقربنك فقالت إنه والله ما به حركة إلى شئ والله ما زال يبكى من لدن ان كان من امرك ما كان إلى يومه هذا فقال لي بعض أهلي لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك فقد اذن لامرأة هلال ان تخدمه فقلت والله لا استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أدري ما يقول إذا استأذنته وانا رجل شاب قال فلبثنا عشر ليال فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهى عن كلامنا قال ثم صليت الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا فبينا انا جالس على الحال التي ذكر الله عنا قد ضاقت على نفسي وضاقت على الأرض بما رحبت سمعت صارخا أوفى على جبل سلع يقول بأعلى صوته يا كعب بن مالك ابشر فخررت ساجدا وعرفت ان قد جاء الفرج فآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله علينا حين صلى الفجر فذهب الناس يبشروننا وذهب قبل صاحبي مبشرون وركض إلى رجل فرسا وسعى ساع من أسلم وأوفى على الجبل فكان الصوت أسرع من الفرس فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته والله ما أملك غيرهما يومئذ فاستعرت ثوبين فلبستهما فانطلقت أؤم رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلقاني الناس فوجا بعد فوج يهنؤني بالتوبة يقولون ليهنك توبة الله عليك حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحوله الناس فقام إلى طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهناني والله ما قام إلى رجل من المهاجرين غيره قال فكان كعب رضي الله عنه لا ينساها لطلحة قال كعب رضي الله عنه فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يبرق وجهه من السرور ابشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك قلت أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله قال لا بل من عند الله وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر فلما جلست بين يديه قلت يا رسول الله ان من توبتي ان انخلع من مالي صدقة إلى الله والى رسوله صلى الله عليه وسلم قال أمسك بعض مالك فهو خير لك قلت انى أمسك سهمي الذي بخيبر وقلت يا رسول الله انما نجاني الله بالصدق وان من توبتي ان لا أحدث الا صدقا ما بقيت قال فوالله ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله من الصدق في الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن مما أبلاني الله