أحمد عبد الباقي

332

سامرا

والمغنين في مجلس الواثق باللّه ، وكانت أمه عليلة ، فدخل إليها وامرهم ان لا يبرحوا مجالسهم ، فأبطأ عليهم . وكانت الليلة مقمرة ، فاندفع مخارق يغني . فاجتمع حوله غلمان القصر . وعندما خرج الواثق باللّه نادى على غلام فلم يجبه أحد ، فتوسط الدار واخذ ينادي الغلمان بصوت عال . فبادر اليه ابن حمدون واخبره ان مخارقا يغني وان الغلمان تجمعوا يستمعون اليه ، وليس فيهم فضل ليسمعوا غير ما يسمعون من الغناء . فقال الواثق باللّه : عذر واللّه لهم يا ابن حمدون ، وأي عذر . ثم شاركهم في الاستماع إلى غناء مخارق « 86 » . ان تجمع عدد كبير من المغنين والموسيقيين في مجالس لهو الواثق باللّه كان يثير في بعض الأحيان شيئا من التنافس بينهم . وقد يصل إلى درجة الحقد يدفع بعضهم إلى أن يكيد لدى الخليفة على البعض الآخر . فقد ذكر ان الواثق باللّه كان يستشير إسحاق الموصلي فيما يصنعه من الأصوات . فحاول مخارق ان يكيد لإسحاق عند الخليفة ، فقال له يوما : ان إسحاق يعرف ان الصوت الذي تعرضه من صنعتك فيقول لك ما يوافق هواك ، فإذا خرج عنك قال لنا ضد ذلك . فأراد الواثق باللّه أن يتأكد من ذلك . فتبرع مخارق بأن يغني صوتا للواثق باللّه بحضور إسحاق ، وتعمد ان يغير فيه بمواضع تخفى على الواثق باللّه . فلما سأل الواثق باللّه إسحاق عن رأيه في الصوت . قال إسحاق انه فاسد غير مرضي . فغضب الخليفة وتحقق له قول مخارق . فأمر فسحب إسحاق من المجلس حتى اخرج منه مطرودا ، وأمر بنفيه إلى بغداد . ثم جرى ذكره يوما ، فقالت فريدة جارية الواثق باللّه : يا أمير المؤمنين ان إسحاق كما تعلم يأخذ نفسه بقول الحق ، وان مخارقا قد كاده عندك إذ أفسد الصوت من حيث أو همك انه زاد فيه نغما وجوده ، فاحضر إسحاق واغنيه إياه على صحته واسمع ما يقول . فأمر الواثق باللّه باحضاره إلى سامرا

--> ( 86 ) الأغاني 18 / 342 ، ونهاية الإرب 4 / 316 .