أحمد عبد الباقي
154
سامرا
ومن الطبيعي ان يزداد تأثر الأسير كلما اتسعت ثقافته وارتفع مستواه الاجتماعي والحضاري ، وذلك بحكم نوع علاقاته وسعة اطلاعه . فينقل عند عودته من الأسر ما تعلمه أو اعتماده ، إلى بلاده . ويذكر أحد الاسرى العرب ، وهو هارون بن يحيى ، انه أسر في عسقلان وحمل إلى القسطنطينية على طريق البحر ، ويذكر المدن والقرى والأماكن التي مر بها حتى انتهى إلى عاصمة الروم ، فيصف مالفت نظره فيها أو تأثر به . كأبواب المدينة وبلاط الملك ، وهو قصر كبير في وسط المدينة يحيط به سور ، والبذرون وهو ميدان واسع يجتمع فيه البطارقة فيشرف عليهم الملك من قصره . وما شاهده في القصر من التماثيل النحاسية للبشر والحيوانات . ويصف سياق العجلات المذهبة ولباس الرجال الذين يسوقونها . وكنيسة الملك وقبتها وأعمدتها وأبوابها ومقصورتها والتماثيل التي فيها ، وحضور الملك إليها يوم الميلاد . وكيف يحضرون اسرى المسلمين ليأكلوا على مائدة الملك بعد أن ينادي منادى الملك ان هذه الأطعمة ليس فيها شيء من لحم الخنزير . ثم يصف ( الارقنا ) وهو الأرغن . ويبدي اعجابه بفخامة موكب الملك عند خروجه إلى الكنيسة العظمى التي هي للعامة ، ويذكر أديرة الرهبان حوالي القسطنطينية ، ويتعجب من كثرة الرهبان فيها . ثم يصف سفره إلى روما ومروره بسلانيك « 5 » . وهو في وضعه هذا يعطينا كثيرا من التفصيلات التي يبدو في بعضها شيء من المبالغة . ويرجح ان هارون بن يحيى قد أسر وحمل إلى عاصمة الروم في أيام الملك باسيل الأول ( 253 - 273 ه ) « 6 » . كما لا يخفى تأثير الرقيق الرومي في البيوت العربية ، لا سيما النساء وتأثيرهن على تربية الأولاد ، وتنظيم الشؤون المنزلية . بل لقد صار بعضهن أمهات خلفاء ، فقد كان أربعة من خلفاء سامرا
--> ( 5 ) الاعلاق النفيسة / 119 - 132 . ( 6 ) الإمبراطورية البيزنطية / 484 .