أحمد عبد الباقي
137
سامرا
واستفضاعهم معاملتهم الخلفاء ، إذ صاروا يستخلفون من يحبون استخلافه ولا يحدوهم في ذلك غير مصالحهم الخاصة دون رعاية لشؤون الدين أو مصالح الأمة . فاجتمعت العامة ببغداد بالصراخ والنداء بالنفير . وانضم إليهم الجند من الانباء والشاكرية بحجة مطالبتهم بارزاقهم ، ففتحوا السجون واخرجوا من فيها ، واحرقوا أحد جسري المدينة وقطعوا الآخر . أما في سامرا فقد وثب جمع كبير من الناس ففتحوا السجن واخرجوا من فيه ، ولما حاولت قوة من الجند تشتيتهم وثب بهم العامة واتسع نطاق شغبهم . فخرج كبار قواد الأتراك : وصيف وبغا واوتامش ، على رأس جنودهم وقتلوا من العامة جماعة . ولما رمي وصيف بحجر أمر النفاطين فقذفوا حوانيت التجار ومنازل الناس بالنار ، وانتهبوا بعض المنازل والحوانيت . فاستثارت هذه الحوادث حمية بعض أهل اليسار من سامرا وبغداد فأخرجوا أموالا كثيرة وفرقوها فيمن ينهض إلى الثغور لحرب الروم ، فاقبل المتطوعون من نواحي مختلفة من أرجاء الدولة « 58 » . ويظهر ان الدولة العربية لم تكن مستعدة لتوجيه جيش لحرب الروم في تلك المدة ، وذلك لاضطراب شؤون الخليفة المستضعف المستعين باللّه بسبب النزاع القائم بين القواد الأتراك من جهة والخليفة والقائد المتسلط أو تامش من جهة أخرى والذي انتهى بقتل أو تامش وازدياد ضعف مركز الخلافة ، ولهذا لم يستطع الخليفة ان يستفيد من حماس الناس ويوجههم لحرب العدو . وفي هذا يقول الطبري « فلم يبلغنا انه كان للسلطان فيما كان من الروم إلى المسلمين من ذلك تغيير ، ولا توجيه جيش إليهم لحربهم في تلك الأيام » « 59 » .
--> ( 58 ) راجع عن حوادث الشغب المذكورة : الطبري 9 / 261 - 263 ، والكامل 7 / 121 - 123 . ( 59 ) الطبري 9 / 262 .