أحمد عبد الباقي
33
سامرا
كل واحد منا صيدا واصطدت بومة ثم انصرفنا ، وعرضنا صيدنا عليه فجعل من كان معنا من الخدم يقول هذا صيد فلان وهذا صيد فلان حتى عرض عليه صيدي ، فلما رأى البومة وقد كان الخدم اشفقوا من عرضها لئلا يتطير بها أو ينالني منه غلظة ، فقال من صاد هذه ؟ قالوا : أبو إسحاق ، فاستبشر وضحك واظهر السرور . ثم قال اما انه يلي الخلافة ويكون جنده وأصحابه والغالبون عليه قوما وجوههم مثل وجه هذه البومة فيبنى مدينة قديمة وينزلها بهؤلاء القوم ثم ينزلها ولده من بعده ، وما سر الرشيد يومئذ بشيء من الصيد كما سر بصيدي لتلك البومة » « 40 » . وهذه القصة لا تخلو من أن تكون موضوعة على غرار الأسطورة التي وضعت عندما اختار أبو جعفر المنصور موضع مدينته المدورة ، وقد ذكرها ياقوت الحموي في معجمه البلداني « 41 » . ومعالم وضعها ظاهرة ، إذ كيف يتوقع هارون الرشيد ان يلي ابنه أبو إسحاق الخلافة وهو لم يدخله مع ولاة العهد من أولاده الذين كتب لهم كتاب العهد ! ويرجح انها وضعت فيما بعد بشكل يلائم أحوال المعتصم باللّه . نظر المعتصم باللّه إلى فضاء واسع تسافر فيه الأبصار ، وهواء طيب ، وارض صحيحة ، فأستمرأها واستطاب هواءها ، وأقام هناك ثلاثا يتصيد في كل يوم ، فوجد نفسه تتوق إلى الغذاء وتطلب الزيادة على العادة الجارية ، فعلم أن ذلك من تأثير الهواء والماء والتربة . فلما استطاب الموضع دعا باهل الدير فاشترى منهم ارضهم بأربعة آلاف دينار « 42 » . وعرفت هذه المنطقة قديما بصحراء الطيرهان وقصبتها الماحوزة ، وهي التي بنى فيها المتوكل على اللّه عاصمته المتوكلية فيما بعد . ومن المواضع الشهيرة فيها قبل ان يختارها المعتصم باللّه ليقيم عاصمته فيها موضع يسمى ( دور عربايا )
--> ( 40 ) كتاب البلدان / 257 . ( 41 ) معجم البلدان 1 / 458 - 459 . ( 42 ) مروج الذهب 4 / 54 .