أحمد عبد الباقي

28

سامرا

الجند ما خاف منه المعتصم . فلما وثب أهل الشام وعصوا خرج الرشيد إلى الرقة فأقام بها أياما ، وبقيت مدينة القاطول لم تستتم « 26 » . ويظهر ان ذلك كان بعد ان استفحل امر البرامكة وفكر بالتخلص منهم . ولعله أراد الابتعاد عن بغداد لكثرة اتباعهم ومؤيديهم فيها ، لكي يستطيع ان يتدبر امرهم . وكان الرشيد قد حفر نهرا كبيرا هناك سماه ابا الجند لأنه كان يسقى أرضا خصصت غلاتها لارزاق الجند « 27 » . الا ان الوقت لم يتسع له لاتمام المدينة والانتقال إليها كما أشرنا آنفا . فترسم المعتصم باللّه خطى أبيه في الانتقال إلى القاطول ، ولعله فكر في اتمام بناء المدينة التي بدأها أبوه ولم يتمها . فخرج إليها واستطلع جوها فاستطاب هواءها ، ورآها اصلح المواضع لإقامة مدينة ينتقل إليها . أمر الخليفة مهندسيه بتخطيط المدينة بحيث يجعلون البناء فيها على جانبي القاطول وبينه وبين نهر دجلة . وان يقسموها إلى قطائع وزعها على القواد والكتاب ورجال حاشيته والناس . فباشر المهندسون العمل واحضروا مواد البناء وجاءوا بالبنائين والصناع ، فأقاموا قصرا للخليفة . وبنوا بجواره بيوت رجال الحاشية . كما أنشأوا معسكرا للجيش احاطوه بالاسوار . وبنى قادة الجيش وكبار رجال الدولة قصورهم بالآجر على ضفاف دجلة والقاطول . وبنيت الأسواق وحولها الدور ، وقد شيد معظمها باللبن . ويظهر انه كانت هناك قرية على القاطول يسكنها قوم من الجرامقة وناس من النبط ، فقال أحد الشعراء يعيّر المعتصم باللّه بانتقاله من بغداد ومجاورته الجرامقة « 28 » :

--> ( 26 ) الطبري 9 / 17 . ( 27 ) فتوح البلدان / 295 ، ومعجم البلدان 3 / 174 . ( 28 ) مروج الذهب 4 / 54 والجرامقة طائفة من العجم نسبتها إلى مدينة جرمق بين أصبهان ونيسابور . وقد نزل بعضهم بالموصل في أوائل الاسلام - معجم البلدان 2 / 139 ، وترتيب القاموس المحيط 1 / 409 .