أحمد عبد الباقي

261

سامرا

لقد استطاع المعتصم باللّه ان يقضي على ثورة بابك الخرمي التي كانت قد استفحل امرها وشغلت خلفاء بغداد ما يقرب من خمسة عشر عاما ، وان يشتت شمل قبائل الزط التي عاثت في البلاد فسادا ، وان يكسر شوكة الدولة البيزنطية ويهدد القسطنطينية بفتحه عمورية وكثير من الحصون الرومية ، ويقضي على حركة الأفشين والمازيار الانفصالية . وبذلك هيأ لابنه الواثق باللّه عهدا من الهدوء والاستقرار نعمت به ارجاء الدولة العربية طيلة حكمه ، سوى بعض حركات التمرد الموضعية . وكان من المنتظر ان يستأنف الواثق باللّه غزو بلاد الروم ويقضي على الدولة البيزنطية المرهقة والتي بان ضعفها عندما هاجمها أبوه . الا انه كان بطبيعته فنانا يعشق الشعر والموسيقى والغناء ، ويميل إلى الآداب والعلوم والمناقشة في المجالس العلمية والأدبية ، ويؤثر حياة الدعة والهدوء . فانصرف إلى اللهو والشعر والغناء والمجالس ، وساعد على ازدهار الحالة الاقتصادية . اما من الناحية السياسية فقد انتهج خطة عمه المأمون في سياسة التسامح واللين مع العلويين ، والدفاع عن حرية الرأي ومناصرة المعتزلة ، الا انه في الناحية العسكرية اتبع سياسة أبيه في الاعتماد على الجند الأتراك الذين ازداد نفوذهم على عهده ، وتوسع سلطانهم وتدخلهم في شؤون الدولة . مما كان له اثر مهم في اضعاف الخلافة خاصة والدولة العربية بصورة عامة . إذ انصرف هؤلاء إلى العمل على تطمين مصالحهم وتأمين ارزاق جندهم غير مبالين بمصلحة الخلافة والدولة ، بل إنهم استغلوهما لتحقيق غاياتهم . وسنشير إلى نتائج هذه السياسة وتأثيرها في الفصل الخاص بالنزاع بين الخلفاء والجند الأتراك .