أحمد عبد الباقي
25
سامرا
باللّه كان قد فرغ من بناء قصره في الميدان ببغداد فجلس للناس فيه ، فأستأذنه إسحاق الموصلي في الانشاد ، فأذن له ، فأنشده شعرا كان أول بيت فيه : يا دار غيرك البلى فمحاك * يا ليت شعري ما الذي ابلاك فتشاءم المعتصم من ذلك وتطير به ، وتغامز الناس وعجبوا كيف ذهب هذا على إسحاق مع فهمه وعلمه . وان المعتصم بالله خرج إلى سر من رأى وخرب القصر « 16 » . ونستطيع ان نضيف إلى ما ذكرناه من الأسباب التي دفعت المعتصم باللّه إلى الانتقال من بغداد ، سببا آخر يتعلق بشخصيته نفسه . فقد كان ذا نزعة عسكرية يعتز كثيرا بجيشه ، وقد أراد أن تكون له عاصمة خاصة به وبجيشه مقتديا بجده أبي جعفر المنصور وبغيره من الملوك العظام . وان مقابلته رهبان الدير الذي كان في موقع سامرا قبل بنائها ، وما دار بينه وبينهم من حديث حول اسم الموضع وتاريخه ، يؤكد رغبته في أن يبني مدينة خاصة به ينزلها هو وينزلها أولاده من بعده « 17 » . وقد كان لانتقال عاصمة الدولة العربية من مدينة السلام إلى سامرا نتائج مهمة . فقد أقيمت العاصمة الجديدة بتصاميم وخطط متقدمة اتاحت فرص العمل لعدد كبير من ذوي الحرف المتعلقة بالبناء والعمران . وكان قيام سامرا بموجب هذه التصاميم والخطط فرصة لبروز الفن العمراني العربي بزخارفه المبتكرة مما يعتبر من مفاخر الحضارة العربية . وادى الانتقال إلى سامرا إلى قيام مركز حضاري جديد مهم إلى جانب بغداد ، كانت المنافسة العمرانية والعلمية التي قامت بينهما خير مشجع على التقدم في
--> ( 16 ) الذخائر والتحف / 129 - 130 ، والهفوات النادرة / 17 - 18 ، وتاريخ الخلفاء / 337 . ( 17 ) كتاب البلدان / 257 .