أحمد عبد الباقي
203
سامرا
هناك أسباب واضحة لهجرها وعودة مقر الخلافة إلى مدينة السلام . الا ان المتتبع يلمس اهمال الخلفاء الذين جاءوا بعد المتوكل على اللّه شؤون المدينة العمرانية عدا مدة قصيرة في أيام المعتز باللّه . وذلك بسبب انشغال الدولة العربية بالحروب وما أصابها جراء ذلك من أنهاك وارهاق وبخاصة من الناحية المالية ، بقيام ثورة الزنج التي استمرت خمسة عشر عاما ، وخروج الولايات الشرقية بين حين وآخر على سلطة الخلافة . بحيث فقدت سامرا وبخاصة قصورها جدتها وبهاءها وأصبحت لا تليق بسكنى الخلفاء فيها . مما جعل المعتمد على اللّه ، رغم الظروف المالية الصعبة ، يبني له قصرا في الجانب الغربي من المدينة . وان المعتضد باللّه الذي قضى أكثر أيامه قبل توليه الخلافة ببغداد ، رأى بعد ان بويع له ان الإقامة بالقصر الحسنى أكثر راحة وأعظم أبهة من السكن بأحد قصور سامرا القديمة . ولا ينكر ان عودة العاصمة إلى بغداد ونقل مختلف الدواوين ورجالها إليها ، وما تبع ذلك من انتقال عدد كبير من سكان سامرا رعاية لمصالحهم ، أثر تأثيرا بالغا في عمران سامرا ، وافرغها من سكانها تقريبا بحيث كادت تخلو منهم تماما . كما كان لصعوبة توفير مياه الشرب لسكان الضفة الغربية المرتفعة من سامرا ، وهي الجانب الأوسع والأهم منها ، تأثير مهم آخر في نزوحهم عنها . فهجرت المدينة التي نافست بغداد ردحا من الزمن زاد على نصف القرن ، وتطرق إليها الاضمحلال والخراب . وقد أحسن ياقوت الحموي بقوله انها خربت حتى لم يبق منها سوى موضع المشهد ومحلة بعيدة يقال لها الكرخ ، وأصبح « سائر ذلك خراب يباب يستوحش الناظر إليها بعد ان لم يكن في الأرض كلها أحسن منها ولا أجمل ولا أعظم ولا آنس ولا أوسع ملكا » « 15 » .
--> ( 15 ) معجم البلدان 3 / 176 .