عمر بن أحمد بن أبي جرادة
487
زبدة الحلب من تاريخ حلب
« ما هذا نور الدّين ، بل هو فلان » - يعنون رجلا كان يشبهه وقد طلى وجهه بصفرة ، ليخدعوا الناس بذلك . ولما تحقّق أمير أميران عافية أخيه خرج من الدّار الّتي كان بها تحت القلعة ، وبيده ترس يحميه من النّشّاب ، وكان النّاس قد تفرّقوا عنه ، فسار إلى حرّان ، فملكها . وسير نور الدّين إلى قاضي حلب ، جدّي أبي الفضل هبة اللّه بن أبي جرادة ، وكان يلي بها القضاء والخطابة والإمامة ، وقال له : « تمضي إلى الجامع ، وتصلي بالنّاس ، ويعاد الأذان إلى ما كان عليه » . فنزل جدّي ، وجلس بشمالية الجامع تحت المنارة ، واستدعى المؤذّنين ، وأمرهم بالأذان المشروع على رأي أبي حنيفة ، فخافوا فقال لهم : « ها أنا أسفل منكم ولي أسوة بكم » . فصعد المؤذّنون وشرعوا في الأذان ، فاجتمع تحت المنارة من عوامّ الشّيعة وغوغائهم خلق كثير ؛ فقام القاضي إليهم ، وقال : « يا أصحابنا ، وفّقكم اللّه ، من كان على طهارة فليدخل وليصلّ ، ومن كان محدثا فليجدّد وضوءه ويصلي ، فان المولى نور الدّين - بحمد اللّه - في عافية ، وقد تقدّم بما يفعل ، فانصرفوا راشدين » . فانصرفوا وقالوا : « أيش نقول لقاضينا » ! ونزل المؤذّنون وصلى بالنّاس ، وسكنت الفتن . فلما عوفي نور الدّين قصد حرّان ، فهرب نصرة الدّين أمير أميران ،