عمر بن أحمد بن أبي جرادة
589
زبدة الحلب من تاريخ حلب
وقتل ذلك اليوم مكبّس السلطان وطشت داره « 1 » ، وثبتت ميسرة المسلمين ، وصاح « السّلطان » فيمن بقي من المسلمين : « يال الاسلام » ، وعادت ميسرة الفرنج إلى عسكره ، فتكاثر الناس وراءهم ، وحملوا عليهم ، فانهزموا ، وتبعهم المسلمون ، فقتلوا منهم زهاء سبعة آلاف ، ولم يقتل من المسلمين غير مائة وخمسين نفرا . ثم إنّ الحرب اتّصلت بينهم ليلا ونهارا ، وكثر القتل بينهم ، وأقبل الشّتاء ، فلقي المسلمون منه شدّة . وحضروا إلى السّلطان ؛ وأشاروا عليه بالرّحيل عن « عكا » إلى « الخروبة » « 2 » ليفسح ما بين العسكرين . وكان ذلك للضّجر من تلك المواقفة ، وملازمة القتال ، حتى أوهم السّلطان [ وقالوا له : ] « 3 » « إنك قد ضيّقت على الفرنج مجال الهرب ، وحلت بينهم وبين صور ، وطرابلس ، ولو أفرجت لهم عن الطّريق لما وقفوا بين يديك » . فرحل السّلطان إلى « الخروبة » . فأصبح الفرنج وقد انبسطوا على عكا ، وأحاطوا بها من سائر جهاتها ، واتّصل ما بينهم وبين « صور » ، وجاءت مراكبهم منها ، فحصرت « عكّا » من جانب البحر ، وضعفت قلوب المسلمين بعكا ، وعادوا يقتاتون من الحواصل المدخورة ، بعد أن كان من المير المجلوبة . وتوفّر الفرنج على قتال أهل « عكا » بعد أن كانوا مشغولين بالعسكر ،
--> ( 1 ) - الطشت دار المسؤول عن غسيل أواني السلطان وثيابه وأحيانا حمامه ووضوئه . ( 2 ) - الخروبة حصن كان على مقربة من عكا . معجم بلدان فلسطين . ( 3 ) - زيادة اقتضاها السياق .