عمر بن أحمد بن أبي جرادة

17

زبدة الحلب من تاريخ حلب

ولم يكن « مؤرخا » حسب مصطلحات أيامنا هذه ، فهو قد جمع في كتابه المواد الاخبارية ونسقها ، لكنه لم يحاول تعليلها ومعالجتها كما يفعل الباحث في التاريخ في جامعات أيامنا هذه . . . ومنذ أن بلغ الصاحب كمال الدين سن الشباب أخذ يشارك في الحياة السياسية والعلمية لمدينة حلب ، فقد كان يحضر مجلس الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين - صاحب حلب - فيكرمه ويقربه ويقبل عليه أكثر من أقباله على غيره على الرغم من صغر سنه ، وفي ذي الحجة سنة ست عشرة وستمائة ولي ابن العديم أول عمل رسمي ، لقد ولي التدريس في مدرسة شاذبخت ، وكانت من أجل مدارس حلب وارقاها ، كل « هذا وحلب اعمر ما كانت بالعلماء والمشايخ ، والفضلاء الرواسخ ، إلا أنه رئي أهلا لذلك دون غيره ، وتصدر ، وألقى الدرس بجنان قوي ، ولسان لوذعي ، فأبهر العالم وأعجب الناس » ويبدو أنه تولى بعد هذه المدرسة التدريس بالمدرسة الحلاوية ، التي كانت أجل مدارس حلب ، وهي مدرسة ما زالت قائمة حتى الآن ، تعلو واحدا من جدرانها لوحة حجرية كتبها ابن العديم بخطه . ومع مرور الأيام علت مكانة ابن العديم ، فسفر عن ملوك حلب إلى ملوك الدول المجاورة في بلاد الشام والجزيرة وآسية الصغرى ، وإلى سلاطين القاهرة وخلفاء بغداد ، وكانت خزائن كتب ووثائق كل بلد زارها تحت تصرفه ، فنهل منها ما لم ينهله سواه ، وأودع جل ذلك في كتابه بغية الطلب ، ومن هذه الزاوية يمكن أن نرى أهمية هذا الكتاب ، ومن ناحية أخرى يمكننا