الحسين بن محمد الورثيلاني
526
الرحلة الورثيلانية ( بنزهة الأنظار في فضل علم التاريخ والأخبار )
سيرها ، أو البرق في خفة أمرها ، ولم يسأم الناس مما لقوا من النصب والتعب لشدة الفرح ، الذي استولى على الترح ، وقد خف بعض ذلك بل أزاله من أصله وإذا عمرت القلوب بالمسرات ، ذهلت الأجسام عما تلاقي من المضرات ، وإذا تنعمت بروح القرب الأرواح ، لم تبال بما حصل من المشقة الأشباح ، وأي مسرة أعظم من الدنو من دار الحبيب الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وأي لذة أهنأ وأتم من رؤية حضرته صلى اللّه عليه وسلم والوقوف عند روضته التي هي غاية المنى والسؤل ، فلعمري لقد انتعشت الأجسام بعد ما ذبلت ، وطلعت شمس الأفراح بعد ما أفلت ، وانبسطت أنوارها من القلوب إلى الوجوه فأشرقت ، وسرى أجلالها وأعظامها من الأفئدة إلى الرؤوس فأطرقت ، وظهر أثر النشاط والمراح في الركائب فأسرعت ، وخبئت من دون حاد ولا سائق وأوضعت ، وكأن ما ينالها من سموم النصب ولهيب التعب نسيم السحر ، وكأن عرفها السائل مع الأعناق بليل المطر ، لا تلوي إلى سمرة خضراء ، ولا تألو ما أسرعت في موماة غبراء . قال أبو سالم وعندما شاهدت من صنيعها الغريب ما شهدت ترنمت ، فوق الأكوار وأنشدت : خليلي ما للعيس في سيرها تعدو * ومن قبل أعيت من يسوق ومن يحدو أظن لها علما يقينا بأنها * لقبر رسول اللّه قد أصبحت تغدو لذلك لم تجزع لحر أصابها * كما جزعت بالأمس إذ مسها الجهد فلا تعجبوا من علمها باقترابها * وليس لها بالدار من قبل ذا عهد ففضل رسول اللّه في الكون ظاهر * أقرت به العجماء والحجر الصلد وأنوار أرض حلها قد تلألأت * أحست بها الأبصار والعظم والجلد دنت فدنت أعلامها فبدالنا * من الشوق في الأحشاء ما لم يكن يبدو