الحسين بن محمد الورثيلاني

481

الرحلة الورثيلانية ( بنزهة الأنظار في فضل علم التاريخ والأخبار )

من فيض القرب ، وعند ذلك تظهر زفرات المحبين ، ولوعة المخبتين والمشتاقين ، فحركها ريح السعادة لمأوى الرضي والتوفيق ، إن لم يصبها وابل فطل من رضى مولاها بالتحقيق ، نعم كادت النفوس ترجع إلى أصولها ، وتتنور بنور المعارف في تنقلاتها ، فقذف ما بها ما سكن فيها حين تحرك ، وأزعجها تلاقي الأرواح في ذلك الفلك ، ثم القوالب والأجباح تابعة ، والصفقة السعيدة رابحة ، فشمروا لما وصلوا ، وأهلوا لما به أهلوا ، فدخلنا محل الوقوف بالذل والمهابة ، والروع والخوف والإنابة ، والدعاء والتضرع والاضطرار لتقع الإجابة ، فوقفنا راكبين ، لسنة نبينا صلى اللّه عليه وسلم وسنة الخلفاء والتابعين ، غير أن الركوب على الإبل أفضل ، اقتفاء به صلى اللّه عليه وسلم وأجمل ، وأنا وقفت على بغلتي وكذا أخي في اللّه سيدي أحمد الطيب ومثله سويداء القلب سيدي أحمد بن حمود وإنسان غين قلبي سيدي محمد الشريف الطرابلسي وقد وقفنا عند الأحجار قرب الجبل وأما تحت الجبل ففيه الزحمة الكثيرة التي تمنع الإنسان الدعاء فألزمنا الدعاء لأنفسنا سرا وجهرا عموما وخصوصا مجتهدين غير مقصرين لعل اللّه يقضي حوائجنا الظاهرة والباطنة ، وأن يجعل هممنا عالية ونفوسنا كاملة ، وأن يطهرها من التعلق بسواه ، لتكون مطمئنة به وصاحبها معتصما بمولاه ، فألزم الكل التضرع والابتهال ، واللجأ والاضطرار والتنقل من حال إلى حال ، فعم اللّه الجميع بالعفو والمغفرة والمنة والأفضال ، وكيف لا والموسم فيه النبي صلى اللّه عليه وسلم وجميع الأنبياء ومن خص بالإرسال ، وكذا أهل الوقت من أهل التصريف والخضر وإلياس ومن نعت بالكمال ، فاستمر جميعنا إلى تحقق الغروب والخطيب يخطب ، وبدعائه تقضى الحوائج « 1 » وتنفرج الكرب ، ريحانة « 2 » أو عرفة موضع جود وكرم ورحمة ووسع تعم الحاج وغيره كالمتسوقين والمتنزهين لأنها فيها

--> ( 1 ) في نسختين بياض . ( 2 ) في نسخة بياض .