محمد بن عبد الوهاب المكناسي
28
رحلة المكناسي
" إحراز المعلى " وإن كنا نرجح أنه مكناس ، ارتكازا أولا على قصر المدة الفاصلة بين عودته والفراغ من التأليف ، وهي المدة التي نعتقد أن السلطان منحها لكاتبه للاستراحة ، ثم إن الصفحات الأخيرة من المخطوط خصصها ابن عثمان لذكر مسامراته ومداعباته وجلساته الحميمية مع أصدقائه بمدينة مكناس حيث يقول : " ومرت لنا حقبة في محادثة الإخوان ومجاذبة أهداب الآداب مع الفقهاء والأدباء أولي الألباب « 46 » . كما يمكن أن نستشف من نص رسالة لصديقه البيجري أنه أطلع أصدقاءه هؤلاء خلال هذه المسامرات والجلسات على مؤلفه ، إن لم يكونوا ساهموا في نسخه وتنقيحه ، مدعاة هذا القول ما ورد في الرسالة المذكورة حين خاطب البيجري ابن عثمان قائلا : " المبرز في العلا المحرز للمعلى « 47 » ، وهي مفردات قريبة كما نرى من عنوان المخطوط . ومن بين العوامل التي ترجح القول بكتابة الإحراز في مكناس خلال هذه المدة ، رغبة ابن عثمان في تقديم المخطوطة للسلطان سيدي محمد عند رجوعه إلى دار المخزن ، فقد آنس لنفسه عذر المغامرة بالكتابة والتأليف بقوله : " على أن أرباب هذا الشأن الموسومين بالإجادة والإحسان ، الذين انقادت لهم البلاغة بأرسان ، لا يدخل أحد منهم لميدان التصنيف ، والجولان فيما فيه من صعوبة الترصيف إلا اعتذر ، وإن كان ممن نظم أو نثر ، فإن لم يسقط عثر ، فتجد الفحول يمهدون لأنفسهم الأعذار عند ذوي العلم والمقدار ، فكيف حال من هو على أنديتهم متطفل ، وللجولان في ميادينهم غير متأهل . . . وها أنا قد قررت عجزي وألقيت السلاح ، وعذري في الدخول في الفضول بأمر مولانا الخليفة بدا ولاح ، وإلى ما أمرت به أعتمد ، ومن الله سبحانه أستمد وبه أعتضد « 48 » .
--> ( 46 ) نفسه ، ص . 272 . ( 47 ) ابن عثمان ، الإحراز ، نفسه ، ص . 274 . ( 48 ) نفسه ، ص . ص . 4 - 5 .