محمد بن عبد الوهاب المكناسي
26
رحلة المكناسي
والذاكرة . ولذلك كانت الكتابة عند الرحالة تذكرا واستعادة لوقائع ومشاهدات قد يكون مضى عليها في بعض الأحيان زمن طويل ، لا تخلو فيه الذاكرة من التعرض لآفة النسيان أو جعل الوقائع تضطرب في تسلسلها والتواريخ تختلط مع بعضها البعض ، ولا تخلو بطبيعة الأمر من جعل انطباعات الأمس تمتزج بمشاعر اليوم " « 41 » . فمعلوم أن الرحلة تستغرق وقتا قد يطول أو يقصر ، ولا تتم كتابتها إلا بعد الفراغ من التنقل واستقرار عصا التسيار ، حيث يعود الرحالة إما إلى ما دونه خلال سفره إذا كانت ظروف تنقله سمحت له بذلك ، وإما بالتعويل على " ما حفظته ذاكرته واعتمل في صدره ، والعمدة في الرواية والإخبار ما سلم من أثر النسيان " « 42 » . والحقيقة أن ابن عثمان يصرح أنه امتثالا للأمر السلطاني له بتدوين مشاهداته خلال سفره في البدو والحضر ، حرص على ألا يرسم شيئا إلا حرره ، مما يفيد بأنه واظب على تدوين ما تتفق رؤيته ومعاينته وسماعه خلال سفره ، كما أنه من المنطقي الجزم بأن الدقة التي اتسمت بها رواياته وأوصافه للعديد من مظاهر الحياة في الإمبراطورية العثمانية ، والنصوص الطويلة التي نقلها عن العديد من الكتب والمظان ، والأسانيد الطويلة التي أوردها بأسمائها الكاملة ، والتراجم العديدة والأشعار الغزيرة التي نقلها ، كل ذلك لم يكن من السهل - إن لم يكن مستحيلا - الاعتماد فيه على الذاكرة مهما كانت وقادة وقوية . ومما يثبت قيام ابن عثمان بتدوين مسودة رحلته خلال السفر ، الاقتباسات التي نقلها عن كتب معينة وقف عليها خلال مقامه بحاضرة الدولة العثمانية إستانبول ، إذ نجده مثلا يقترح إيراد موجز عن تاريخ دولة آل عثمان نقلا عن " تاريخ القرماني في كتابه أخبار الدول وآثار الأول « 43 » ،
--> ( 41 ) سعيد بنسعيد العلوي ، مرجع سابق ، ص . ص . 14 - 15 . ( 42 ) نفسه ، ص . 17 . ( 43 ) ابن عثمان ، الإحراز ، نفسه ، ص . 20 .