ماء العينين بن العتيق

170

الرحلة المعينية

مطلب ذكر بعض أحوال أهل البلد والذين بمكة والمدينة وقد كانت بين المدينة المنورة ومكة المشرفة مناخات ومحلات معدة للاستراحة وللأكل والشرب لمن شاء ذلك من الحجاج ، وربما استرحنا في بعضها ، وأكثر من يعمر تلك المحلات أهل البدو ، وهم الأعراب المتوطنون الحرم الشرف ، وجلهم عاميون ، لا معرفة لهم بالعلم ، بل عامّ فيهم الجهل ، إلا أن اللسان الربي سجية فيهم ، فيتكلمون به عن فصاحة كثيرا بالطبيعة رجالا ونساء وصبيانا ، فمن ذلك أني سألت في بعض المحلات صبيا صغيرا عن بئر بإزائنا ، وحذاءها آبار أخر ، ما اسمها فقال لي : أيّة بئر ، بهذا اللفظ ، فتعجبت من تأنيثه للبئر وإلحاقه تاء التأنيث بأية ، وذلك مخالف لما عليه أهل اللغة الدّارجة اليوم ، لأنهم يذكرون البير ، ولا يلحقون التاء بأي في التأنيث ، وإنما تكلم الصبيّ باللغة الفصحى على الطبيعة . قال تعالى : « وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ » « 302 » وقال الشاعر : [ الطويل ] بأي كتاب أم بأيّة سنّة * ترى حبّهم عارا عليّ وتحسب وهذا نمط كلامهم غالبا . وأحوالهم في لباسهم ، وإكرامهم للأضياف وكسبهم للأنعام قريبة من حال بلادنا وبواديهم في أرض الشناجطة ، إلا أن بوادينا فيها الزوايا « 303 » الكثيرون المعتنون بالعلم ، وعلماؤها مشهورون ، وقلما تفارقهم المدارس المشحونة بطلبة العلم ، وبلاد المشارقة ليس أهلها كذلك ، وإنما يعتني بالعلم في بلاد المشارقة أهل الحاضرة فقط ، فأهل بواديهم يشبهون حسان « 304 » واللحمة « 305 » من أهل

--> ( 302 ) سورة الحج ، آية 54 . ( 303 ) الزوايا : تجمع قبلي صحراوي يختص بالعلم والتربية مثل ، إداو علي وتشمشة ، وغيرهما . ( 304 ) حسان : تجمع قبلي صحراوي يختص بحمل السلاح . ( 305 ) اللحمة : تجمع قبلي صحراوي يختص بتنمية الموارد الاقتصادية .