محمد مهري كركوكي

68

رحلة مصر والسودان

فيكون جملة ما أخرج من خزينته في يوم واحد مليونا وخمسمائة ألف دينار وهذا منتهى السخاء وسبب قدوم الخليفة إلى مصر أنه كان عائدا من محاربة الروم فرأى أن يمر بمصر لمراقبة شؤونها وكان قلقا عليها لما بلغه من تمرد أهلها ونقص عمالها فدخلها وجعل يمر بقراياها يتفقد أحوالها . ويقال إنه كان يبني له في كل قرية دكة يضرب عليها سرادقه والعساكر حوله وكان يقيم في القرية يوما وليلة . وبلغ الفسطاط في يوم الجمعة 9 محرم سنة 217 ه وما زال يتجرى أصول الفساد ويقتلعها إلى أن برح مصر في آخر صفر من تلك السنة قاصدا دمشق ولم يفتر المأمون في أثناء تجوله بمصر عن تنظيم أحوالها واصلاح داخليتها وتأييد مجالسها واحكامها وأمر بترميم مقياس النيل الذي بناه اسامة في الروضة وبناء جامع فيه ومقياس آخر في بنبنود « الصعيد » وترميم مقياس اخميم وبعد ان برح المأمون مصر بلغه ان الدواوين في مصر سارت على خطة لا يرضاها من حيث قبول الزيادات وفسخ عقود الضمانات وانتزاعها ممن كابد المشقة والتعب في اصلاحها واسمادها وتسليمها لمن يدفع الزيادة من غير كلفة ولا نصب . فلما علم بذلك أنكره ومنع ارتكابه وأصدر أوامره الصارمة باعقاء الكافة أجمعين والضمناء والعاملين من قبول الزيادة فيما يتصرفون فيه ويستولون عليه ما داموا مغلقين وبأقساطهم قائمين وتضمن ذلك منشور قرئ على الناس ينبههم فيه إلى ما جاء في الكتاب العزيز « يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود » وفي 19 رجب سنة 218 ه توفى الخليفة المأمون على اثر حمى حادة على نهر البذندون في سليسيا ودفن في طرسوس وعمره 48 سنة وبضعة اشهر ومدة خلافته عشرون سنة وخمسة أشهر و 13 يوما اما آثار المأمون فاجل آثار الخلفاء لأنها تدل على ما بلغه العلم وما بلغت اليه الصناعة من السعة والاتقان . وقد كان لشدة تعلقه بالعلم والصناعة يتعاطاهما بنفسه ويأخذ بناصرهما وكان يبذل النفس والنفيس في سبيل تقدمهما ولو لاه لفات العرب كثير من المؤلفات التي كتبت بالفارسية أو السريانية أو اليونانية أو الهندية أو اللاتينية فهو الذي سعى في نقل أكثرها إلى اللغة العربية ونشط رعيته لمطالعتها والاستفادة منها . ولا يقتصر فضله من هذا القبيل على أبناء اللغة العربية فان أهالي أوروبا عموما مدينون له لأنه حفظ لهم كتابات كثيرة يونانية ولا تينية لولا نقلها إلى العربية وحفظها فيها لازالتها يد الزمان