محمد مهري كركوكي

29

رحلة مصر والسودان

كاهل الدهر فعجز عن هدمها . ثم رمى بنظره إلى جنوب الأهرام فرأى بقايا منف العظيمة ترهب القلوب بما يتجلى فيها من العظمة والفخامة ومن جملتها اهرامها المعروفة الآن باهرام سقاره فامر عمرو ان تنصب الخيم فيما بين الحصن والمقطم لجهة الشمال قرب مصر القديمة اليوم ولم يكن هناك الا بعض المزارع والغياض وجعل يشرح صدره ويتأمل بما يهندده من الاخطار في مقاومة هذا الحصن . ثم نظر إلى وادي النيل فإذا هو يانع خصب يشتهيه النظر يخترقه النيل المبارك . على غربيه آثار منف والأهرام وعلى شرقيه ذلك الحصن وفيه قد حشدت جنود الروم متأهبين للدفاع ولم يكن قد رأى شيئا من ذلك فيما مرّ به من البلدان فعظم عليه الامر الا انه عاد إلى عزمه عندما تصور ما يلحق به من العار إذا عاد خائبا وما يقع في يده من الخيرات إذا فاز بالنصر بعد الجهاد الحسن وإذا لم يفز في جهاده هنا واستشهد ففي الآخرة ما هو أفضل مآبا وكان في الحصن المقوقس وقد تقدم انه حاكم من قبل دولة الروم على مصر العليا والسفلى ومعظم سكانهما من القبط . وكانت عاصمة حكومته منف على الضفة الغربية اما هذا الحصن فقد اتخذه مركزا حربيا ليمنع العرب من المرور إلى عاصمته . وكان المقوقس من حزب الوطنيين ويقال إنه كان بينه وبين الرسول مكاتبة وعلى كل فإنه لم يكن له ان يفعل ما يشاء . فلما علم بقدوم جيوش المسلمين جهز جندا تحت قيادة أحد كبراء جيشه المدعو الأعيرج وجاءوا بما لديهم من العدة والسلاح وتحصنوا في ذلك الحصن اما عمرو فاخذ في المهاجمة مدة فأبطأ عليه الفتح فكتب إلى الخليفة يستمده فامده بأربعة آلاف رجل عليهم أربعة من كبار القواد وهم الزبير بن العوام والمقداد ابن الأسود وعبادة بن الصامت ومسلمة بن مخلد وقيل إن الرابع خارجة بن حذاقة دون مسلمة وورد معهم خطاب أمير المؤمنين ونصه « اني قد أنفذت إليك أربعة آلاف على كل الف منهم رجل مقام الف » فانفذ عمرو أحد قواده ولعله حذاقة بخمسمائة فارس إلى الجهة الثانية من الحصن من وراء الجبل فساروا ليلا وكان الروم قد خندقوا خندقا وجعلوا له أبوابا وبذروا في اقنيتها حسك الحديد فالتقى القوم حين أصبحوا فانهزم المصريون حتى دخلوا الحصن فصارت العرب محيطة بالحصن من كل جهات الا النيل وكان حول ذلك الحصن الخندق فلم يستطيع العرب الهجوم عليه واستمر رمى السهام صباحا ومساء ثم تشاور عمرو