شارل هوبير

70

رحلة في الجزيرة العربية الوسطي

اشتهر عن الكهفة البالغ عدد سكانها 200 شخص تقريبا أنها بلدة صحية . الرياح السائدة فيها شمالية . وبحسب أقوال السكان والشيخ عمار الذي استضافني ، فإن المطر يهطل مدة عشرة أيام فقط في بداية الشتاء ، أما باقي السنة فلا تهطل قطرة واحدة . ليس شيخ الكهفة هو من يستقبل الغرباء العابرين لأنه فقير بل إن هذه المهمة تعود لأغنى مالك وهو عمار الذي يمنح لقب شيخ حتى لو لم يكن شيخا . وعمار هذا هو في الوقت عينه إمام البلدة . من هنا نرى كم كان وضعنا المتبادل دقيقا . فإذا كنت لا أعير اهتماما لكوني ضيف شيخ وهابي ، فإن عدم اكتراثه لرؤية بيته المقدس مدنسا بوجود كافر تجاوز موقفي بكثير . وإلى ذلك فإن قامته الصغيرة النحيلة النافرة العظام وشفتيه المزمومتين وعينيه العميقتين والقلقتين ورأسه الأقرع لم تكن لتمنحه سمة الترحيب . كما وانه اشتهر عنه بخله مع الضيف . إلا انني كنت اسمع السكان الذين جاؤوا إلى المضافة لإلقاء السلام يتهامسون فيما بينهم بأنني على أحسن حال مع الأمير محمد وانني ضيفه وصديقه ، فرأيت للمرة الأولى هذا الاسم المحبب يحميني من بعيد . الاستقبال الذي خصني به عمار لم تشبه شائبة . لم يكن في الحقيقة ودودا ولا لطيفا على غرار ما نعمت به حتى ذلك الحين في الجبل . ولكن لا يمكن مطالبة شيخ وهابي بالودّ واللطافة خاصة من قبل نصراني . عاملني معاملة جيدة وألح كثيرا لحملي على العدول عن فكرة الذهاب إلى القصيم . وبما ان الكهفة هي آخر بلدة شمّرية فقد خشي من أن يصيبني مكروه إذ لا أمان من بعد هذه الحدود . عندما غادرته كانت صداقتنا قد توطدت كليا وما ان أصبحت على مطيتي حتى سمعته بسرور يودعني قائلا " الله معك " وهو الدعاء الاعتيادي لرحلة موفقة في نجد . على بعد 6 كيلومترات جنوب شرق الكهفة مجموعة من أربع ملكيات فيها نخيل وحقول شعير تدعى الغميس أخذنا منها مؤونتنا من الماء الذي هو أطيب مذاقا من الماء الذي في الكهفة . وعلى مسافة ساعة أم الخشبة وفيها أربع ملكيات واسعة هجرت بسبب اختفاء الماء . في فصول الشتاء الغزيرة الأمطار يأتي سكان الكهفة إليها ليزرعوا فيها الشعير لأن تربتها صالحة جدا . بين الكهفة والغميس يوجد النفود .