فتح الله الصائغ الحلبي

57

رحلة فتح الله الصائغ الحلبي

وظهر الربيع ، وأخضر وجه الأرض بالحشيش ، وصارت الأخبار عنهم تصلنا ، وكل يوم كانوا يقتربون أكثر إلى نواحي بلاد سورية . ثم في أحد الأيام حضر واحد بدوي إلى القريتين يقال له سلامة النعسان ، من قبيلة اسمها العمور ، قبيلة صغيرة تحتوي على نحو خمس مئة بيت ، شيخها اسمه سلطان البرّاق ، متحضرة بالنسبة إلى غيرها ، ولها صلات متواصلة مع أهالي حماة وحمص ودمشق ، فتبيعهم 2 / 14 غنما وسمنا وجمالا ، ولها أيضا شركاء في البلاد . وحين / تشرق القبائل الكبيرة في الشتاء ، فإن عرب العمور لا يبعدون كثيرا وهم لا يتجاوزون حدود الزور وشاطئ الفرات ونواحي تدمر ، ويحضرون قبل جميع العرب إلى نواحي البلاد . فهذا البدوي سلامة الذي ذكرناه كان قتل واحدا من أهالي القريتين من قبل ثماني سنوات ، وظن أن القضية قد نسيها الناس . فدخل القرية وذهب عند الشيخ ليسلم عليه ، على حسب عوائدهم . فسمع به أهالي القتيل وحضروا عند الشيخ وأقاموا الدعوى ، فأنكر المتهم إذ ليس هناك من شهود . وطال الجدال والنقاش بينهم ، ولكنهم لم يستطيعوا أن يثبتوا عليه شيئا ، وما كان بإمكانهم أن يكيدوه لخوفهم منه . أو من أذية تصيبهم من العرب . وأخيرا أخذ الشيخ بيده عودة مكنسة وقال : يا سلامة امسك بهذه العودة واحلف لي بحق من خلق هذه العودة أنك لم تقتل القتيل . فأخذ العودة بيده وأطرق ببصره إلى الأرض نحو ربع ساعة ، وبعد ذلك رفع رأسه وقال : يا جماعة أنا قتلت ابنكم ، وأنا لا أحط في رقبتي قتيلا ويمينا ، فانظروا ما هي دية ابنكم حتى أعطيكم حق دمه . وهذه العادة جارية بين العرب وسكان القرى . فتواسطت الناس وتم الاتفاق على ثلاث مئة غرش . فقال سلامة : اصبروا عليّ حتى أذهب وأحضر لكم الدراهم . فقالوا له : قد لا ترجع فمن هو كفيلك . فقال : يكفلني الذي لم أحلف باسمه باطلا يعني اللّه فخلوا سبيله . فقام حالا وركب وراح وعاد بعد أربعة أيام ، ومعه خمسة عشر رأس غنم عظام ، كل واحد منها يساوي أكثر من عشرين غرشا . فسلمها إلى أهل القتيل فأبرأوا ذمته وتصالحوا . فسررنا جدا مما رأينا ، وتحقق لنا أن سلامة رجل طيب حسن السيرة ، وصرنا معه في صحبة كبيرة وأكلنا خبزا معه . وبعد ذلك قلنا له : يا أخ نحن نريد أن نتوجه إلى تدمر ، والناس هنا خوفتنا من العرب فما هو رأيك ؟ فقال : أنا أضمن وأكفل أني آخذكم إلى تدمر 1 / 15 سالمين غانمين ، وأكتب سندا / على نفسي ، أمام الشيخ سليم وجميع سكان القريتين ، أنه مهما