فتح الله الصائغ الحلبي

43

رحلة فتح الله الصائغ الحلبي

قد قربوا من الديرة « 35 » ، وفي الشتاء ، حين يتوغلون في البادية على حسب عوائدهم ، يعود إلى داره ويعمل في دكانه بالبلد . ثم ابتدأ الخواجة لاسكاريس يسأله ، بكل رقة ، ورويدا رويدا ، عن العرب وأحوالهم ومزاياهم وطباعهم ومعيشتهم وسلوكهم وشؤونهم وضيافتهم ، وعن أمور كثيرة ، وهو يرد عليه بالصدق والصواب دون تردد . فسررنا منه جدا لأنه أفادنا جدا في أمور يقتضي علينا معرفتها . وكنا نتجول كل يوم في البلد ، ونتنزه في بساتينها وذلك لتمضية الوقت ، إلى أن يمضي الشتاء ويقرب عربان هذه الديار من المعمورة ، حتى نتمكن من الوصول إليهم . لأن من عادة العربان أن يبتدؤا بالتوغل في البادية من شهر تشرين الأول ، فيذهبون إلى الجهات الشرقية « 36 » بجمالهم وخيلهم ومواشيهم ، حيث يجدون الدفء والماء والمراعي . وهم دائما في حل وترحال لا يستقيمون في منزلة أكثر من يومين أو ثلاثة أيام ، ويظلون على تشريقهم إلى أن يصل البعض منهم إلى بغداد ، والبعض إلى البصرة وشط العرب حيث يلتقي الدجلة والفرات وتصب مياههما في خليج « 37 » العجم . ثم من شهر شباط يبتدؤن بالاقتراب من نواحي بلاد 1 / 8 سورية ، وفي شهر نيسان يظهرون في الديار الشامية ، وهذه حالهم دائما . / وبعد ذلك قال لي الخواجة لاسكاريس : يا فتح اللّه ، أريد منك أن تشتري لنا عشر فروات مثل التي اشتريتها ، وعشرة مشالح سود وخمسين كوفية « 38 » . والكوفية تصير مدورة بحجم « 39 » المنديل « 40 » ، وهي مصنوعة من غزل وحرير مصبوغ أحمر وأصفر وأخضر . وهذه الكوفية لا بدّ منها على رأس كل بدوي ، مهما كان عمره ومقامه ، من الراعي الصغير الفقير الحال إلى الأمير الكبير ، ولا يمكن أن يستغني عنها أحد . حمص تشتغل هذه السلع ، وكذلك حماة ودمشق وحلب وبغداد والموصل وماردين والبصرة ، وكل البلاد التي تحت حكم بغداد وكركوت ، ومع ذلك فإن جميع ما يصنع في هذه الديار من الكوفيات لا يسد بحاجة العربان .

--> ( 35 ) الديار . ( 36 ) « يشرّقوا » . ( 37 ) « بوغاظ » . ( 38 ) « كيفية » . ( 39 ) « قدّ » . ( 40 ) « محرمة » .