فتح الله الصائغ الحلبي
37
رحلة فتح الله الصائغ الحلبي
ثم قام الخواجة لاسكاريس ، واشترى خبزا وجبنا وأعطاهما للبدوي ، وسأله عن اسمه ، فقال البدوي اسمي هلال ، ثم انصرف . ومضى ذلك النهار ، وثاني يوم . سافرنا من المعرة إلى خان شيخون ، وكان مسيرنا مدة ست ساعات فقط . ثم في اليوم التالي سافرنا من شيخون إلى حماة ، ولكن كان برد وهواء عاصف ورعد وأحوال كئيبة جدا ، فوصلنا إلى حماة وقت المغرب ، وكان مسيرنا تسع ساعات . فدخلنا البلد ونحن لا نعرف أحدا ولا أحد يعرفنا ، فنمنا تلك الليلة في حي « 4 » يقال له الحاضر . ثم ثاني يوم قال لي : قم وابحث لنا عن غرفة « 5 » ننزل بها ونضع فيها رزقنا . فذهبت وأخذت غرفة في قيصرية يقال قيصرية أسعد باشا ، ونقلت الرزق من عند المكاري وأعطيته الكراء ، وجهزت الغرفة بكل اللوازم ، وظننت أني ثاني يوم سأفتح الرزق وآخذ بالبيع والشراء ، على حسب عوايد الناس . وفي تلك الليلة قلت له : يا سيدي ، غدا إن شاء اللّه سنفتح هذا الرزق ونبتدئ بالبيع . فضحك وقال : يا ابني ، كل ما في رأسك هو التجارة ، ولو كنت تعرف غيرها من المهن لعلمت أن منها التي تفوقها بالأرباح . ولكن لا عتب عليك لأنك لم تر في حياتك إلا المتجر . وأنا عندي أرذل كل 1 / 5 الصناعات التجارة . فقلت في عقلي : ولكن ما ذا سنصنع بهذا الرزق / الذي معنا ؟ هل سنرميه « 6 » ؟ ثم أقمنا في حماة نحو عشرين يوما . ولا حاجة للشرح عنها ، لأنها بلد مشهورة ومعروفة من كل الناس . وإنما نتكلم عما حصل لنا فيها . فبعد دخولنا بأربعة أيام توجه الخواجة لاسكاريس وحده ، من غير أن يعطيني خبرا أو يقول لي أني ذاهب أتنزه بالبلد . فوصل إلى القلعة ، لأن لها قلعة قديمة متهدمة ، ما بها شيء عمار كليا غير جبلها فقط ، فصعد إلى القلعة ليراها . وبينما هو يدور بها وجد بعض الأوباش « 7 » الذين يصعدون إلى القلعة ليلعبوا بالقمار ، في مخادعها المتخربة ، كي لا يراهم أحد ويخبر الحاكم ، لأن هذا شيء ممنوع من الحاكم . فالخواجه المذكور حين طلع ، ابتدأ يقيس بخطواته القلعة عرضا وطولا . وكان فيها بعض الأوباش يلعبون بالقمار ، فرأوا أنه غريب الزي ، وأنه يقيس القلعة . فهجموا عليه وأمسكوا به وقالوا له : أنت رجل غريب تقيس القلعة ، وتريد أن تخرج منها كنزا ، فإن أرضيتنا تركنا
--> ( 4 ) « صايح » . ( 5 ) « أوضه » . ( 6 ) « بدنا نكبّ هل الرزق » . ( 7 ) « أناس معترين » .