فتح الله الصائغ الحلبي
15
رحلة فتح الله الصائغ الحلبي
الجمعية ، وكانت يومئذ لسان حال المستشرقين ، ولم تتناولها بالنقد ، بل أنها لم تذكرها بخير أو شر إلا بعد وفاة الشاعر لا مرتين . ويتضح من رسالة طويلة وجهها المستشرق فولجنس فرينل إلى رئيس الجمعية سنة 1838 ، ولكن المجلة الأسيوية لم تنشرها إلا سنة 1871 ، إنه كان من المسلّمين بصحة هذه الرحلة ، ثم بدّل رأيه بعد أن عرض على ذوي الخبرة من العرب الصفحات التي جاء فيها وصف الدرعية وذكر الإمام الوهابي عبد اللّه بن سعود . وأصدرت المجلة الأسيوية حكمها الصارم في تقريرها السنوي لعام 1872 ( ج 20 ، ص 36 ) جاء فيه : إن هذه الرحلة وليدة الخيال ، كتبها رجل عارف بأحوال البادية . ولم يتساءل صاحب هذا الكلام كيف تم لبائع من صغار التجار ، يكاد يجهل اللغة العربية الفصحى ، مثل فتح اللّه الصايغ ، يخشى البادية كما يخشاها كل حضري من سكان المدن ، لا سيما أنه كان نصرانيا ، أن يكون مطلعا أتم الاطلاع على أحوال البدو ، حتى أنه تكلم عن عادة دفن الحصى أو دفن الذنوب ، يكاد يجهلها حتى المختصون بدراسة البادية ، ولكن ذكرها قبله شهاب الدين العمري المتوفى سنة 749 ه / 1348 م ، في كتابه : « التعريف بالمصطلح الشريف » « 5 » ، فأنّى له هذه المعرفة الدقيقة بقبائلها وتقاليدها ، إن لم يكن عاش معها ردحا من الزمن . أما الأخطاء التي نددت بها المجلة الأسيوية ، مما حملها على الشك في رحلة الصايغ إلى الدرعية ، فإن صاحبنا بريء منها كبراءة الذئب من دم يوسف ، لأن المسؤول الأول عنها هو سوء الترجمة ، كما سنبينه بعد حين . رحلة الصايغ : ما بين الحقيقة والخيال لقد شك بعض المستشرقين في صحة رحلة الصايغ ونسبوها إلى الخيال ، لأنهم اطلعوا عليها من خلال ترجمة خاطئة . ونحن نميل إلى تصديق الصايغ ، وننظر إلى مذكراته نظرنا إلى جزء من التراث السوري العربي ، على الرغم من أخطائه التاريخية ومبالغاته الكثيرة ، لأن في وصفه دقة شاهد العيان ولأن ما كتبه يتماشى مع الواقع التاريخي .
--> ( 5 ) انظر الهامش رقم 18 .