أبو عبد الله العبدري

45

رحلة العبدري

[ اجتياز المفازة التي على طريق تلمسان ] ولمّا انتهينا إلى المفازة الّتي في طريق تلمسان وجدنا طريقها منقطعا مخوفا ، لا تسلكه الجموع الوافرة إلّا على حال حذر واستعداد . وتلك المفازة « 1 » - مع قربها - من أضرّ بقاع الأرض على المسافر « 2 » ؛ لأنّ المجاورين لها من أوضع خلق اللّه ، وأشدّهم أذاية ، لا يسلم منهم صالح ولا طالح ، ولا يمكن أن يجوز عليهم إلّا مستعد يتفادون من شرّه « 3 » ، وطلائعهم أبدا على مرقب لا يخلو منها البتّة ؛ أطلع اللّه عليهم من الآفات مايسحتهم « 4 » جميعا أصلا وفرعا ، ويقطع دابرهم إفرادا وتثنية وجمعا ، حتّى يكونوا آية للمعتبرين ، وعبرة للنّاظرين ، بعزّة اللّه وقدرته ، وحوله وقوّته . وكنت حينئذ لا تمكنني الإقامة حتّى أجد صحبة لغرض كان لي ، فأزمعت أن أترك بعض الأصحاب بما كان معنا من النفقة منتظرا للصّحبة ، وأنصرف أنا مخاطرا بما تدعو الحاجة إلى استصحابه . فبينما أنا أوصي من أردت إقامته متنغّصا بهذا الحال وأعرّفه بما يصنع ، إذ وقف علينا جماعة رجال متسلّحين عارفين بالطّرق « 5 » ، عازمين على اعتساف « 6 » المجهل « 7 » ، فاستربت بهم ، ثمّ قوي في نفسي أنّ ذلك لطف من اللّه تعالى وغوث أتاحه

--> ( 1 ) - المفازة : البرّية القفر المهلكة ، وسميت بذلك تفاؤلا ؛ من الفوز والنجاة . ( 2 ) - في ط : المسافرين . ( 3 ) - في ت : شرّهم . ( 4 ) - يسحتهم : يستأصلهم . ( 5 ) - « عارفين بالطّرق » سقط من ت . ( 6 ) - الاعتساف : ركوب الأمر بلا تدبير ولا رويّة . ( 7 ) - المجهل : الأرض لا يهتدى بها .