محمد بن عبد الله الصفار

96

رحلة الصفار إلى فرنسا

الاجتماعي المر السائد وقتئذ في فرنسا « 1 » . وقد كانت باريز ، في نظر الصفار ، مدينة تقطنها نساء عفيفات ، ويعمرها رجال جادون مجدون في عملهم لا يبغون غير خدمة مصالح دولتهم العادلة والمحكمة التنظيم . وبذلك كانت باريز ، هي ذلك الموضع السحري الحافل بكل ما هو رمزي ، وهي أيضا المكان الطبيعي الذي تحققت على أرضيته أهداف الرحلة . إن الصفار حين نسب تلك المجموعة من الصفات المثالية إلى باريز ، قد ارتقى بها إلى درجة ما هو مقدس ، وكثف من درجة الحوار مع بلده تكثيفا أدى إلى وجود معنى تحتي متميز وقائم الذات لرحلته . ولا بد من أن يخلق التعاقب الموجود بين المقدس وما هو دون ذلك في موضوع الرحلة ، توترا لا مفر منه في وعي الرحالة ، بين المكان الذي تمت زيارته والمكان الذي خلفه وراء ظهره . ورغم محاولتنا الهادفة إلى تناسي موطننا ، فإن هناك لحظات لا تعد ولا تحصى أثناء الرحلة لا بد أن تذكرنا « 2 » به . وإن تجربة الرحلة أشبه ما تكون بمرآة ذات وجهين ، أحدهما يعكس ما هو جديد ، والآخر يحتفظ بصورة الأشياء المعروفة . وبصفة حتمية ، يجد المرء نفسه وقد بدأ يفكر وفقا لأسلوب المتناقضات ، سواء منها ما هو متلائم أم غير متلائم مع الأشياء الجاري بها العمل في الموطن الأصلي للرحالة المسافر . وقد أثارت السرعة والظروف المريحة التي كان يتم بها التنقل في أرجاء فرنسا لدى الصفار ما تعرفه أحوال السفر والتنقل في المغرب من صعوبات ؛ كما ذكرته المراعي الخصبة التي شاهدها عبر نوافذ العربة بحقول بلاده اليانعة الأكثر اخضرارا . وعند نقط الاختلاف هذه ، ينقلنا الكاتب ليقربنا إلى حد بعيد من إدراك طبيعة تلك السيرورة الخيالية التي تقع فيها الرحلة . وتلك هي اللحظات التي يصبح فيها الإيقاع بين العالم الداخلي والخارجي منسجما بما فيه الكفاية وبالشكل الذي يسمح

--> ( 1 ) في سنة 1842 كتب أوجين سو ( Eugene Sue ) سلسلة من المقالات في جريدة جورنال دي ديبا ( Journal des de ? bats ) ، تحت عنوان : " Les myste ? res de Paris " ، أطلع فيها القراء على « العالم السفلي المخيف لباريز نتيجة للفقر وسيادة العنف » . انظر : David Pinkney , Decisive Years in France , 1840 - 1847 ( Princeton , 1986 ) , p . 97 . ( 2 ) I . de Sola Pool , " Effects of Cross - national Contact on National and International Image " , in H . Kelman , ed . , International Behavoir , a Social - psychological Analysis ( New York , 1965 ) , p . 122 .