محمد بن عبد الله الصفار

88

رحلة الصفار إلى فرنسا

وفي الحقيقة ، إننا نجد أنفسنا هنا أمام مشكلة . ذلك بأن أسمى أشكال الرحلات وأكثرها اتساما بالورع والتقوى هي التي تشد فيها الرحال إلى منابع الإسلام الأولى ومعاقل الإيمان المقدسة . أما أن تكون هذه الرحلة قاصدة بلاد الغرب ، ففي ذلك قلب للأمور رأسا على عقب : فهي رحلة في اتجاه اللامقدس بل إلى ما يعتبر مدنسا من وجهة النظر الإسلامية التقليدية . إذ يكون الرحالة المسلم المتوجه إلى بلاد الغرب عرضة للخضوع إلى المقاييس والإغراءات السائدة في مجتمع يعتبر فاسدا في جوهره . وهناك لا بد من مواجهة المسلم لصعوبات كبيرة للقيام بالشعائر والواجبات الدينية . كما أنه يكون مهددا في كل وقت وحين بما يلوث عقيدته أو يدنسها . وكان المشكل المطروح سواء على الصفار أم غيره من الرحالة المسلمين المتوجهين إلى أوروبا ، هو كيفية التخلص من رائحة ذلك الدنس الملتصقة بهم ، وكيفية تبرير سلوكهم حتى يلقى القبول من إخوانهم في الدين والعقيدة . وكان الصفار على وعي تام بهذا المشكل القائم ، فواجهه متسترا وراء عبارة لها وزنها ، ألا وهي : مصالح الأمة . وبناء على ذلك ، فإن الرحلة إلى بلاد الغرب تستحق أن تتمتع بموافقة جماعة المسلمين لأنها مطابقة للقيم الدينية الهادفة إلى حماية المؤمنين . وفي هذا السياق ، قال الصفار إن السلطان أرسل البعثة السفارية « جريا على عادته في الحرص على انتظام أمر الخاص والعام » ، وأضاف معززا كلامه بما يلي : « ولم يزل هذا دأب أئمة الأمة وحماة الملة . فقد كان صلى الله عليه وسلم يبعث لذلك كبراء أصحابه ، وفيه إسوة . وتابعه في ذلك الخلفاء الراشدون والأئمة المهتدون » « 1 » . ليست هناك على الإطلاق سلطة أعلى من هذه السلطة - وهي سابقة سنها المسلمون الأوائل - يمكن أن يستند إليها محمد الصفار ليمنح مغامرته طابع المشروعية ويجعلها أمرا مقبولا ومستحسنا . وسبق لكرابورن القول إن إجماع الجماعة على رأي واحد في مسألة السفر أمر مهم لموضوع الرحلة . إذ هناك ما يبرر الوقت المستهلك والجهد المبذول اللذين كان من الممكن إنفاقهما لتحقيق أهداف اجتماعية أخرى « 2 » . وهكذا يكون الصفار ، بإيجاد رابطة لجهوده مع قداسة الحج ، وبحديثه عن النتائج الإيجابية المكتسبة في الماضي عبر الطرق الدبلوماسية ، قد بحث عن كل ما

--> ( 1 ) انظر الصفحات اللاحقة من هذا الكتاب . ( 2 ) Graburn , " Tourism " , p . 28 .