محمد بن عبد الله الصفار

82

رحلة الصفار إلى فرنسا

الرحلة وعما يتضمنه أسلوبها من تعبير حكائي ، فكانت استفادتي منهما معا لتذليل الصعاب وبلوغ الهدف المنشود . وذكر الناقد بول فوسيل ( Paul Fussell ) أن أدب الرحلة فن أدبي يحتوي على نمطين إدراكيين متباينين ، أولهما هو الفعلي والبعيد عن الأوهام ، أي العالم المادي الملموس ؛ وثانيهما هو النمط الخيالي ، الذي يتحول فيه الخاص إلى ما هو عام ، والشيء الحقيقي إلى ما هو تصوري ، كما تتحول فيه الملاحظة إلى تهيؤات . « إن كتاب الرحلة شبيه بقصيدة شعرية في إعطائها دلالات عالمية لنسيج محلي صرف » « 1 » . وكان موضوع اهتمامات فوسيل هو كتابات الرحلات البريطانية في فترة ما بين الحربين العالميتين . غير أن الملاحظات التي أبداها وكذا تعليقاته الصائبة تنطبق بقوة مماثلة على رحلة محمد الصفار . مما يوحي بان أجود نموذج لهذا الفن الأدبي ، وبغض النظر عن خصوصياته الثقافية ، غني بمزايا ذات طابع عالمي مماثل . ويكتسي السفر إلى أماكن بعيدة للغاية منا ، طابعا سحريا ، بل ويكون بمثابة حدث كفيل بتغيير مجرى حياتنا . وقد أثار الأنثروبولوجيون الانتباه منذ مدة طويلة إلى مدى التأثير الذي يحدثه السفر في السلوك لبشري وعلى القدرات الإدراكية لبني الإنسان ، وخاصة قدرته العجيبة على نقلنا من مستوى ما هو عادي أو « دنيوي » ، إلى مستوى زمان ومكان ما يلبثان أن يصبحا مليئين بخصوصيات « القداسة » « 2 » . وسواء أكان السفر من أجل المتعة أم كان في إطار القيام بالواجب الذي تفرضه طبيعة العمل ، فإن السفر فترة فاصلة تفرض ذاتها على الحياة اليومية ، وهي فاصلة بين ما

--> ( 1 ) نفسه ، ص . 214 . ( 2 ) يذكر نيلسون كرابورن ( Nelson H . H . Graburn ) كتابات كل من دوركهايم ( Durkheim ) ، وموس ( Mauss ) ، وليش ( Leach ) ، وفان جينيب ( Van Gennep ) ، معتبرا إياها ذات أهمية خاصة لصياغة المفاهيم المتعلقة بالقدسي والدنيوي في علاقاته مع الرحلة . انظر كتابه : Nelson H . H . Graburn , " Tourism : The Sacred Journey " , in Valene Smith , ed . , Hosts and Guests : the Anthropology of Tourism , 2 nd ? ed . ( Philadelphia , 1989 ) , pp . 24 , 26 . وانظر أيضا : V . Turner and E . Turner . Image and Pilgrimage in Christian Culture : Anthropological Perspectives ( New York , 1978 ) , ch . I .