محمد بن عبد الله الصفار
74
رحلة الصفار إلى فرنسا
كانت طائلة ومن الأهمية بمكان . ولا يستبعد أن تكون رغبة السلطان مولاي عبد الرحمن في حيازتها سببا رئيسيا في تغيير موقفه من آل أشعاش « 1 » . ومن المحتمل أن يكون قد أطلق سراح أشعاش ، وسمح له بالعودة إلى تطوان ليعيش هنالك حياة عادية . وفي عام 1862 أعاد السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمن تعيين أشعاش عاملا على تطوان ، لكنه ما لبث أن صادف صعوبات جديدة ، فأقيل من منصبه . وقضى أشعاش ما تبقى من عمره خديما مخزنيا بسيطا في مدينة مكناس إلى حين وفاته بها سنة 1282 / 1865 - 1866 . ولم تتمكن أسرة أشعاش بكل ما كانت تتميز به من جاه وأبهة ، من استعادة سالف مجدها الذي عاشت في أحضانه حينا من الدهر بمدينة تطوان « 2 » . أما المرحلة الثانية من حياة الصفار ، وتشمل الفترة الطويلة التي قضاها في خدمة المخزن على المستوى المركزي ، فهي محيرة جدا لكل من يحاول تتبع فصولها وجمع شتاتها في وحدة متناسقة . وقد أحيطت حياته خلال تلك المرحلة التي يمكن تسميتها بالمخزنية ، بكثير من الغموض والسرية . وذابت كل عناصره الذاتية والفردية لتصبح منغمسة في خضم الوجود الواسع والحضور القوي لشخص السلطان وبلاطه ، والذي تتمحور كل العناصر التي تكون الأطر والموظفين المخزنيين حوله كالقطب المركزي . وكانت تبدو كل جوانب الحياة في البلاط ومظاهرها خاضعة في جميع جزئياتها إلى تقنينات بروتوكولية صارمة يصطلح عليها في التعبير المخزني بلفظة « القاعدة » . وبموجبها تتحدد كل التصرفات الواجب احترامها داخل البلاط ، بدءا من طريقة تقديم الشاي وانتهاء بكيفية استقبال سفراء الدول الأجنبية . وكان يتم تشكيل الموظفين الوافدين على المخزن من جهة نائية من مختلف ربوع البلاد وفقا لتلك القاعدة ، وبطريقة تجعلهم يصبحون منصهرين في إطار عينة اجتماعية واحدة متراصة ومتلاحمة الصفوف . حيث يتخلى كل واحد منهم عن ولاءاته الجهوية المعهودة لديه بالأمس ، ليتحول إلى مخلوق جديد يخلص بكل كينونته وجوارحه إلى المؤسسة السلطانية دون غيرها . وكان انعزالهم عن بقية أفراد الرعي يزداد قوة نتيجة عدم استقرارهم في مكان واحد ، بفعل حياة التنقل والترحال الدائمة التي كان
--> ( 1 ) تطوان ، 3 : 303 ، 309 - 334 . ( 2 ) تطوان ، 6 : 11 ، 88 - 91 .