محمد بن عبد الله الصفار

56

رحلة الصفار إلى فرنسا

الجدية والتواضع والدماثة ، لبقا لطيف السلوك . وكان أشعاش شديد الاهتمام بإظهار تمسكه الشديد بعقيدته ، واتسامه بالاحترام وعلو المنزلة . كما كان حرصه شديدا على أن يتم استقباله بطريقة جيدة تقديرا لشخصه أو لشخص السلطان الذي كان يمثله أكثر من عزمه على تحقيق هدف سياسي معين » . وكان إرساله إلى باريز « دليلا للتعبير بواسطته عن علاقات الصداقة بين المغرب وفرنسا » « 1 » . ويكشف كيزو النقاب ، من خلال تعليقاته الواردة في مذكراته ، كيف أن السفارة في أعين الفرنسيين كانت لا بد من أن تكون متناغمة مع الإطار الأوروبي المتميز بنظرته المتمحورة على الذات إزاء الأحداث ، وبشكل هيمنت فيه رغبتهم الواضحة في استعراض مظاهر التفوق الفرنسي . إن ما تميز به ضيوفهم المغاربة من كياسة ومجاملة ، بالإضافة إلى حضورهم القوي فعلا ، قد اعتبر في حد ذاته مؤشرات ناطقة بالنجاح الذي حققته فرنسا في اتباعها سياسة خارجية تهدف ، حسب تعبير كيزو ، إلى « ضمان سلامة ممتلكاتنا في إفريقيا » « 2 » . وعبر أيضا عن اعتقاده بأن الزيارة كانت ناجحة ، لأنها أدت - كما بدا له - إلى جعل المغاربة قريبين أكثر من أي وقت مضى ، إلى قبول فرنسا كعنصر له حضوره الدائم في المنطقة . وكانت قراءته تلك للأحداث صائبة في عمقها ، لأن السفارة وجدت مكانا لها ضمن نوادر التاريخ الفرنسي ، كفصل من فصوله المثيرة التي اهتم مؤرخو الحقبة الاستعمارية بتدوينها ، واعتبارها دليلا على « عظمة فرنسا » وعلى نجاحها في بسط نفوذها على شمال إفريقيا ، الأمر الذي كان من العسير تفاديه « 3 » . وبعد انتهاء أشعاش من تنفيذ مهامه السياسية ، أطلق العنان لنفسه ولأعضاء البعثة المرافقين له للاستمتاع بباريز وعالمها العجيب . وعلى عكس ما كتبه الصفار

--> ( 1 ) Guizot , France under Louis - Philippe , p . 222 . ( 2 ) المرجع نفسه ، ص 204 . ( 3 ) J . Cille ? , " Un ambassadeur Marocain Paris ( 1845 - 1846 ) " , Le monde FranC ? ais 16 , 49 ( Octobre 1949 ) : 86 ; " Ambassades et Missions Marocaines en France " , H - T I , I ( 1960 ) : 65 - 67 . لم يول المؤرخون الفرنسيون انتباههم إلى ما دونه محمد الصفار عن رحلته ، وإن كان مييج قد أشار إلى أن سفارة أشعاش لم تدرس بما فيه الكفاية . انظر : J - L . Mie ? ge , Le Maroc 2 : 205 , note 1